facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





المنسف في الأدب والتاريخ والإستعراب


م. أشرف غسان مقطش
21-07-2021 03:08 PM

في الفضاء الزمني الروائي الممتد في النصف الأول من أربعينيات القرن العشرين لرواية (وجه الزمان) كبعد رابع للمكان الروائي سهل البقعة، "احتفلت الديرة بعرس ضيف الله.. أُقيمت المناسف، وركب الشبان الخيول في سباق متصل على السهل الفسيح أمام بيوت الشعر ... وشارك أحمد [شقيق ضيف الله] بالقسط الأوفر من إطلاق الأعيرة النارية إبتهاجا بالمناسبة .. تلك المناسبة التي أتاحت له مشاهدة شيرة [معشوقته] كل ليلة طوال أسبوع (التعليلة) وهي فترة لا تتعدى الأسبوع، تسبق موعد الزفاف، حيث يسري الرجال والنساء من منازلهم ليلا متجهين إلى منزل العريس، يقضون الليل في غناء ورقص مُتصلَيْن حتى الفجر". (1)

يفيض النص الروائي أعلاه بالكثير من السلوكيات الإجتماعية التي يصل بعضها إلى مستوى العادات والتقاليد الإجتماعية في المجتمع الأردني هذه الأيام، أولى تلكم السلوكيات الإجتماعية إعداد وتقديم المناسف في المناسبات الإجتماعية الكبرى من أفراح وأتراح، وفي الأعياد الدينية سواء عند المسلمين أو المسيحيين من أبناء المجتمع الأردني.

والمنسف بالنسبة للبعض من أفراد المجتمع الأردني عبارة عن لحم بلدي مطبوخ بسائل الجميد، حيث يوضع اللحم بشكل مرتب فوق الرز الرابض على قطع من خبز الشراك. وفوق اللحم والرز -الذي يتوسطه رأس الذبيحة إن وُجِد- يتم رش الصنوبر والبقدونس.

ويركز الخطاب الروائي الأردني على إبراز المنسف كوجبة شعبية أولى عند مختلف طبقات المجتمع الأردني وشرائحه.

"اللحم مطبوخ باللبن... أقبل على إعادة تنظيمه [تنظيم اللحم] فوق الرز باهتمام صارم...اللحم {كله} فوق الرز. ليس كله بل تنقصه قطعة الكتف. إنتزع أبي اللسان [لسان رأس الذبيحة]. قطعة مفضلة عنده"(2)

هنا يبين لنا تيسير سبول أن المنسف كان وجبة عائلة (عربي) بطل روايته (أنت منذ اليوم) عندما "انفجر صوت المدفع"(3) بعدما رأى (عربي) "المؤذن يحلق يديه حول فمه، ويصرخ: الله أكبر الله أكبر"(3) مؤذنا آذان المغرب إيذانا ببدء الإفطار، وذلك في الزمن الروائي لروايته الحادثة أحداثها في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين.

ولست أدري لماذا أراد سبول أن يؤكد أن "اللحم {كله} فوق الرز" قبل أن يستدرك ويقول لنا بأن قطعة الكتف تنقصه، تلك القطعة التي أكلتها خلسة قطة قام والد (عربي) بقتلها انتقاما منها لقطعة الكتف! لا بأس بذلك، فسبول لربما قصد من ذلك الإشارة إلى شدة قسوة الأردني حينما يتعرض له أحدهم في لقمته! ولو من قطة! ولربما قصد سبول من وضع "اللحم كله فوق الرز" أن يشير إلى كرم الأردني، وما أدرانا؟

لقد وصف المستعرب الياباني نوبوأكي نوتوهارا المنسف في معرض حديثه عن "الطعام عند البدو"(4) بأنه وليمة "لذيذة بشكل يفوق تصور اليابانيين على الأقل."(5) وذكر أن "المنسف لا يُقَدَّمُ [عند البدو] إلا في مناسبات: قدوم ضيف، أو الإحتفال بعيد أو مناسبات خاصة."(5)، وعزا نوتوهارا السبب في عدم إعداد البدو المنسف إلا في مناسبات إلى "أن المنسف نفسه يستهلك جزءا من مال [البدوي] المضيف المحدود."(5)

ولست أدري يقينا كم استهلك "المنسف العربي"(6) من مال سلطان باشا الأطرش وهو يقدمه "كل مساء"(6) ما دام تحسين قدري -المرافق العسكري الأقدم للملك فيصل الأول- ورفاقه ضيوفا عنده؛ إذ يقول قدري في مذكراته: "وهذا المنسف كان يحمله أكثر من ستة أشخاص، ويتكون من الرز وفوقه أربع خرفان وكباب واللبن، وكنا نتلذذ في أكله ..."(6) "صحتين وعافية" يا قدري!

ولما وصل تحسين قدري إلى مخيم الشيخ عودة أبي تايه على رأس القافلة التي انطلق بها من جبل الدروز(7)، إحتفى أبو تايه بضيوفه بمنسف عربي وصفه لنا أيضا قدري في مذكراته قائلا: "... وفوجئنا بمنسف كبير يحمله أكثر من خمسة من العبيد، وكان طول قطر المنسف أكثر من مترين، وفيه الأرز، وفي الوسط خمس حفر تشبه أفواه البراكين، وفيها أكثر من أربع غالونات من الحر الني (غير المحروق) وفوقه حوالي الخمسين كيلو من السكر الناعم، ثم دُعِينا لتناول الطعام وبدأنا بالأكل بشهية لم أشعر بمثلها إلى الآن .. وأكلنا الرز باليد بعد أن نغطسه بالسمن النقي والسكر..."(8) والحق أن لعابي سال بغزارة وأنا أقرأ عن منسف أبي تايه! وهو يختلف عن المنسف الذي وصفته للتو أعلاه في احتوائه على السمن الحر النقي والسكر.

إن إختلاف مكونات المنسف هذه الأيام عنها في سالف الأيام تثير الفضول فينا لمعرفة مسيرة المنسف في مكوناته من أول أمره حتى أمره اليوم. يقول جوزيف مسعد في هذا الصدد: "ففي أول الأمر كان المنسف يُصْنَعُ بالبرغل ويُغَطَى بطبقة رقيقة من الأرز، وببطء صار الأرز مكونا رئيسا حتى حل محل البرغل تماما. وبالإضافة إلى ذلك، فإن السمة الرئيسة المعاصرة للمنسف وهو الجميد أو لبن الجميد ... يوضع على اللحم والأرز (أو البرغل أو الفريكة) ولم يكن البدو يستخدمونه [الجميد] في طهي المنسف قبل عملية التوطين التي قامت بها الدولة الوطنية. ولم يكن يستخدم الجميد مع المنسف إلا الفلاحون، أما أغلب البدو، فكانوا يستخدمون مرق اللحم أو السمن البلدي بدلا منه ... ولم يستخدموه [الجميد] مع المنسف قط" (9)

عساي لا أكون مخطئا إذا ما رأيت أن مسعد لم يكن دقيقا في تحديد أول أمر المنسف من حيث مكوناته. فإذا أخذنا كلمة «منسف» على أنها مصطلح لا يتغير مدلوله بتغير بعض مكونات الشيء الدال عليه؛ فإن البدو -والعهدة على مسعد نفسه!- كانوا يطبخون المنسف "بلحم الخراف أو الإبل ومرق اللحم [أو السمن البلدي] والخبز فقط"، وهو ما كان معروفا بالثريد.(9) ولما عرف البدو الأرز بطريقة ما أو أخرى، فإنني أعتقد أنهم اقتصروا على طهي الأرز وخلطه بالمنسف "في المناسبات الإحتفالية فقط لإرتفاع سعره"(10). أما بالنسبة للجميد؛ فأعتقد أن البدو لم يستخدموه في طبخ المنسف حتى استقروا نتيجة "عملية التوطين التي قامت بها الدولة الوطنية". وهذا هو المسار البدوي للمنسف فيما أرى. أما بالنسبة للمسار الحضري؛ فأعتقد أن الحضر وقبل أن يعرفوا الأرز كانوا يصنعون المنسف من البرغل أو الفريكة "التي كانت تُستخدم في أغلب الأطباق في القرى والحضر على السواء..."(10)، ولما عرفوا الأرز؛ اكتفوا بداءة بدء -لربما لإرتفاع سعره- بطبقة رقيقة منه يغطون بها البرغل أو الفريكة من جهة، ومن جهة أخرى، وعلى منوال البدو، اقتصروا على طهي الأرز وخلطه بالمنسف "في المناسبات الإحتفالية" للسبب ذاته.(10) أما بالنسبة للجميد؛ فلست أدري يقينا متى بدأ الحضر في استخدامه في طهي المنسف، إلا أن مسعد يوثق أنهم كانوا أسبق إلى استخدامه في طبخ المنسف من البدو(9). ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن كلمة «منسف» تشير "في الأصل إلى طبق كبير يستخدم لتقديم الطعام للضيوف".(9)

ولما "صاح ضيف الله على الرجال، داعيا لتناول الطعام .. قام الجميع متجهين إلى {المناسف} التي صُفَّت في الساحة أمام البيت.."(11) ومناسبة المناسف هنا: تهنئة العريس (أحمد) بزواجه من صاحبة الصون والعفاف (شيرة)، "عقبال عند كل العزاب"!

ملاحظات:
1) ما بين العلامتين [...] إضافة من كاتب المقال على النص المُقْتَبَس للتوضيح و/أو التصويب.
2) العلامتان {...} خطان أحمران من كاتب المقال للتشديد على أهمية المفردة و/أو العبارة في النص المُقْتَبَس.

هوامش المقال:
1) رواية (وجه الزمان) لمؤلفها طاهر خلف العدوان، أمانة عمان الكبرى، الطبعة الثانية (2002)، ص(45)
2) رواية (أنت منذ اليوم) لمؤلفها تيسير سبول، قراءة غالب هلسا، شهادة الياس فركوح، أزمنة، الطبعة الثانية (2017)، ص(24)
3) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
4) كتاب (العرب: وجهة نظر يابانية)، لمؤلفه نوبوأكي نوتوهارا، منشورات الجمل، الطبعة الأولى (2003)، ص(109)
5) المصدر السابق، ص(110).
6) كتاب (مذكرات تحسين قدري 1892-1986، المرافق العسكري الأقدم للملك فيصل)، لكاتبه (سيّار الجميل)، الأهلية للنشر والتوزيع، الطبعة العربية الأولى (2018)، ص(158)
7) المصدر السابق، الصفحة ذاتها.
8) المصدر السابق، ص(163)
9) كتاب (آثار إستعمارية تشكل الهوية الوطنية في الأردن) لمؤلفه جوزيف مسعد، ترجمه شكري مجاهد، الطبعة الأولى لدار مدارات للأبحاث والنشر يناير (2019)، ص(255)
10) المصدر السابق، ص(254)
11) رواية (وجه الزمان) لمؤلفها طاهر خلف العدوان، أمانة عمان الكبرى، الطبعة الثانية (2002)، ص(128)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :