facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





البُعد المائي في شعر محمد البريكي ديوان الليل سيترك باب المقهى أنموذجًا


أسيل سقلاوي
29-08-2021 05:53 PM

لا يمكن أن تمرَّ على قصائد البريكي من دون أن تتبلل حتى ولو كنت في قلب الصحراء..!!
هذا هو الحال حين تقرأ ديوانه الأخير المعنوَن:
'' الليل سيترك باب المقهى ''
والصادر عن دار موزاييك للدراسات والنشر.
وهنا دعوة صادقة للبلل والإبحار عميقًا، على خلاف ما جسّده الحلاج ودعا إليه في بيته الشعري:
ألقاهُ في اليمِّ مكتوفًا وقالَ لهُ
إيّاكَ إيّاكَ أن تبتلَّ بالماءِ

في البداية يطالعنا الشاعر الأسباني لوركا صباح بقوله:
إن شعراء الماء هم الذين رأوا وتأملوا أشياء أهملتها حشود الأنهار الواسعة.
وقد تفوق البريكي من حيث استخدامه الأنيق والكثيف للماء
في الكثير من الأغراض الشعرية،
واعتباره ثيمة أساسية وحيوية في تأملاته وبوحه واستحضاره في شعره بطرق مختلفة ورؤى أدبية متعددة، فجاءت قصائده
متوهجة، ناضجة، ومشوقة في معظم دلالاتها ورموزها، حتى كدنا نجزم بأن الماء فتنة الشعر هنا.
في قصيدته الأولى ''ضفاف الحياة'' يقول:
فعلامَ الذي بنى الصرحَ ينسى
أنَّ هذا العُلُوَّ بالأمسِ نُطفَهْ؟

يا ضفافَ الحياةِ ريشي أنيقٌ
يُسمِعُ الماءَ حينما مرّ عزفَهْ

فاحفظي لحنَهُ فقدْ قالَ يومًا:
يعبُرُ الناسُ في الحياةِ بِخِفّهْ

النطفة والماء والحياة.. هذا الثالوث الذي يحيلنا مباشرةً
للآية الكريمة (وجعلنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حي) وقد جاء سابقًا في الفصوص للشيخ الأكبر أن
''سر الحياة سرى في الماء'' فهو أصلُ العناصر والأركان، وما ثمَّ شيء إلا وهو حي.. فكلُّ شيء حي.. فكلُّ شيء الماء أصله.. وهنا تأكيد على الرمزية القرآنية للماء التي أشار إليها مارتن لِنجِز والحاضرة بوضوح في هذا المثال وغيره من الشواهد التي سنمر عليها في دراستنا المتواضعة.

وإذا عرجنا قليلًا إلى قصيدة
''أحب البلاد'' يقول الشاعر:
أنا مثلهم يا صديقي
''بدأتُ مع البحرِ''
لا لأعلّمَ أسماكَهُ كيف تجلسُ فوق الرمالِ
وتكتب مثلي قصيدة شوقٍ
ليسرقها الموج ثم تغوص وتتركني أتأمل هذا الزبدْ
أنا باختصارٍ شديدٍ
أدرّب موج البحار ليصبح
'' دولفين ''
حين أكون بلا نجمة تتأملني
أو سماء تسوق لي الغيم وصلًا.

فأي تدريب هذا، وأي ترويض للمفردة وتطويع للموجة لتصبح دولفينًا؟ فالماء عنصر حيوي ينعش عاطفة الحب لدى الشاعر
ويعبر عن رغبته في الوصال والقرب، لأنه يمثل معنى الحاجة
ومعنى التحول الشعوري وتقلبات المزاج، واعترافه الصريح بالشوق
يقول:
أنا مثلهم يا صديقي
بدأتُ مع البحر
وكأنه يشير إلى محمود درويش الذي قال سابقًا:
أنا مثلهم لا شيء يعجبني

ويطمئنه بأن هناك أشياء في حياتنا تستحق أن نعجب بها ونخوضها بحب وشغف، كالبحر على وجه الخصوص.

ويعتبر البريكي بنظري من الشعراء الذين أعادوا قراءة
الماء بنظرة متجددة، وخرجوا به إلى مناطق غير مأهولة بعيدًا عن الوصف الكلاسيكي والتصوير المكرر لمصطلحات الماء،
ويتَّسم نصّه بصعوده سلّمًا موسيقيًا يصدح بالدهشة عند كل عتبة، ويعلو صخبه مع كل موجة جنون وعاصفة شعور.

وفي قصيدة ''أنا البحر'' يقول:
سوف أنام قليلًا وأحلم أني أنا البحر
والأمنيات على الموج ليست سوى باخرة
إلى أن يقول:

ليت من يفتح الباب يقبل هذا الجسد
يا المرايا.. مدد
إنني الآن لست المكان
ووجه المدينة يمسح قبلة دمعي
فترجع للقلب مكسورة خائرة...

لطالما كانت للشعراء علاقة متينة مع الأمكنة، حيث تأخذنا في خيالاتنا لحبيبٍ ما حفر عميقًا في ذاكرتنا كان يسكن تلك الديار ويجمّل هذه الأمكنة، فكيف إذا كانت الأمكنة مبللة باللهفة، ومشبعة بحنينٍ لا يهدأ تمامًا كموج البحر وملحه المتمرد.

وتعتبر عوالم الماء أمكنة بعيدة المنال وصعبة الزيارة، وهذا فعلًا ما اعترف به الشاعر بقوله:
إنني الآن لستُ المكان

ولكن بما أنك البحر يا شاعرنا
فأنت وطن الأمكنة برأيي

وتعيدنا الأمكنة المائية للبدايات وتأخذنا نحو المجهول بحثًا عن الأسرار وسعيًا للوصول إلى جزيرة الكنز المفقود والحقيقة الضائعة، لأنها تربط الماضي بالحاضر كما يُقال، وهذا يرجعنا إلى تاريخ الأساطير والرموز التي تناقلتها الأزمنة جيلًا وثقافةً وحضارات.

في قصيدة ''لسان الماء'':
يقول: للقهوة السمراء سيّدتي
أقول باللهجة البيضاء: يا بْلادي

يقول لا تنتمي للريح جد وطنًا
للأغنيات ولا تحفل بنقّادي

سيسكتون إذا ما الغصن حدّثهم
أن التراب لسان الماء للصادي

هذا اللسان الذي يحاكي امتلاء الوجود بالماء، ويوجّه المطلق نحو التجلي والظهور، لأنه قوة في حد ذاته، وهو عند الصوفيين
قوة وقدسية تعلي من قيمة الموجودات والكائنات، ولذلك فالماء يمتد في الوجود وفي الكون، فيبلور عظمة الخالق وقدسيته.
وفي هذه القصيدة تجلٍّ وتحليق بنفسٍ صوفيٍّ لا خلاف عليه لغةً وحسًّا وانتماءً كامل التشظي.

ويكمل الشاعر سفره مع الماء في قصيدة ''معذرة أيها البحر'':
يقول لي الطير
إن جئت للبحر قل:
لا تُدر أيها البحر ظهرك عن أغنيات المحبين
أو تتجهم إذا ما وقفتُ على الرمل
ألتحفُ البرد والخوف وحدي
ومعذرةً أيها البحر
إن كنت أرمي بأحجارك
الموج
ليس لأني أريد أذاك
ولكنه الجوع قرر أن يحذف الموج
كي يستفز تموجه
فتطير من البحر مذعورةً سمكة.

لا تكاد تخلو قصائد البريكي من ذكر الماء مفردةً أو معجمًا متنوعًا محتشد الحضور عبر لقطات مشهدية تجعل من النص قطعة حيّة من لحم ودم وشعور، وكأن هذا البحر كائن يخاطبه الشاعر كعاشق أو صديق أو حتى مرآة يتعرّى إحساسه المتوهج أمامها
فينعكس على شكل موجة
أو سمكة أو حتى أغنية للمحبين.

و اللافت جدا في علاقة شاعرنا المتينة بالماء ابتعاده عن النظرة السطحية، الأمر الذي يجعل من الماء عنده مادة دسمة للبوح وتحقيق الرغبة في التعبير عن طريق الإيحاءِ، وقد جاء في كتاب "رمزية الماء في التراث الشعري العربي" بأن الشاعر المتأثر ببيئته وبالطبيعة
برز أكثر من غيره في رصد الماء
كما ظهر على مر العصور انطلاقًا من الشعر الجاهلي وحتى آخر قصيدة حداثوية لم تكتب بعد، فاستحضار فعل الماء سلبًا أو ايجابًا يبدو جليًا هنا، إذ أن الماء يصنع الحياة كما الموت، ولا حركة إلا من خلاله.

وأخيرًا مع قصيدة
''البحر يفيض بما يكفي'':
في الحجر القسري
أراقب هذا العالم من ثقب الفكرة
هل قابيل توحش جدا من هابيل
وهل ضاقت هذي الأرض بما رحبت
فأصر على أن يقتل
هل ثمة طحنٌ منتظر
فالبحر يفيض بما يكفي للرعب
...
إلى أن يقول:
يا رب..
إذا فار التنور وصار الماء على الماء
وطافت في الخوف سفينة هذا العمر
فلا جوديّ سوى لطفك
فالموج تعاظم
من يا رب لهذا الخوف سواك.

فالماء مصدر الحياة والخلاص من الجفاف والعطش، وطريقنا للتقرب إلى الله في أقسى لحظات العمر ، والماء يمثل معنى الحزن والخوف والقلق على المصير خاصة في ظل الوباء المنتشر، والذي أشار إليه الشاعر بعبارة ''الحجر القسري'' وهنا تجسيد واضح للواقع المعاش،
و بالماء أيضًا نحاول أن نطهر أجسادنا ونحميها من الضياع ونبعد عنها الأذى، فما أكثر التناصات في هذه القصيدة، وما أضيق فسحتنا بتأويلها واستنطاق خفاياها.
ويُعدّ توظيف الشاعر للماء بكثرة في شعره رغبةً جامحةً في إيجاد تراكيب غير متداولة تعكس حالته الشعورية والنفسية وتقدّمها بقالبٍ من فضة الروح على مائدة خطابه الشعري المنمّق، وقد أضفى الماء على مخيّلة الشاعر لغةً شعريةً عاليةً، فحلّق بنا ودعانا إلى الرقص على حلبة الشعر بخفة وبراعة واستئناس.

ختامًا على مضض، في الوقوف على ديوان: "الليل سيترك باب المقهى" نلاحظ أن الماء يسيطر على المتن الشعري، وقد توفّق الشاعر في توظيفه واستحضاره وجعله محور موضوعاته، كما أن النصوص أظهرت علاقة الشاعر بالماء في عظمته وتجليه الفضائي من خلال شدة تقربه من البحر، هذا الكائن العظيم الودود والمخلص الذي يمتلك من المعاني السامية والقيم الإنسانية ما يحمي علاقة الشاعر بوطنه وينقلها عن طريق الشعر كأصدق تعبير عن مشاعره ومكنوناته..




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :