facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





القدس ليست بيزنطة


د. رياض شريم
28-10-2021 05:08 PM

ربما تكون "القراءة الهادئة"، شكلاً ومضموناً، وللشكل والمضمون، واحدة من أصعب التحديات وأكثرها مشقّة على الكاتب العربي، خاصة إذا تأسست على أرضية منهجية "موضوعية" تحاول قراءة "الموضوع" نقدياً وتحليلياً بتحريره، أولاً، مما رانه من الكثير مما ليس فيه ولا منه!

والموضوع المطروح للقراءة، هنا والآن، وللمرة الثانية، هو موضوع مقالة حسن اسميك في الفورين بوليسي "وحدوا الأردن وفلسطين - مرة أخرى"، حيث نُشرت القراءة الأولى في موقع (عمّون) بتاريخ 20/10/2021 تحت عنوان "قراءة هادئة لموضوع ساخن"، أما هذه القراءة فتتناول الموضوع من زاوية أخرى مختلفة، هي زاوية "نقد النقد" من خلال اختيارها لنموذج مقالة عريب الرنتاوي المنشورة في موقع (عمّان نت) بتاريخ 24/10/2021 تحت عنوان "عن أطروحة حسن اسميك .. ما الذي تبقّى من جلد الدبّ لنصطرع عليه؟"، وهي مقالة "ذكية" لكاتب خبير لا تعوزه التجربة ولا تنقصه جزالة الخطاب.

مقالة الرنتاوي في إطارها العام تبدأ بطلب التماس العذر عن "جهل" الكاتب بصاحب الأطروحة "حسن اسميك"، الذي لم يسمع به من قبل، ثم تنتهي بالتعبير عن الحق في "الارتياب المشروع" من الأطروحة بسبب دلالات عدة، منها "هوية صاحبها"! وما بين تناقض المقدمة مع الخاتمة يكتب الرنتاوي عن "الحساسيات والمخاوف والهواجس" التي أيقظتها الأطروحة - رغم أنّ مجرد وصفها ب "الأطروحة" يعني أنها تحمل "جديداً" ما بغض النظر عن الموقف منه، على عكس ما ذكره الرنتاوي من أنها "ليست جديدة ولا جدية على الإطلاق"-، ثم يكرّس فقرتين للحديث عن لقاء تم قبل عشرين سنة في منزل الراحل عاصم غوشة لإثبات أنّ الفكرة ليست جديدة، وفقرة أخرى لإثبات أنّ الفكرة ليست جدية.

يورد الرنتاوي بعدها أربع وقائع تاريخية للتذكير: واقعة المبادرة الأردنية الأولى لاستعادة الأراضي المحتلة، نظير سلام أردني – إسرائيلي بعد هزيمة حزيران مباشرة، والتي نالت دعم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر دون تردد. وواقعة سعي الملك الراحل الحسين بن طلال لاستلحاق الضفة الغربية بمسار "الخطوة خطوة" بعد حرب أكتوبر 1973. وواقعة محاولة الملك الراحل لاستعادة الضفة والقدس في العام 1987، بعد عامين على "اتفاق شباط الأردني الفلسطيني". وأخيراً واقعة محاولة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، أن ينتزع في كامب ديفيد، تعهداً إسرائيلياً بالانسحاب من الضفة الغربية، ولكن من دون جدوى. والخلاصة هي، كما يكتب الرنتاوي، عدم زحزحة "إسرائيل قيد أنملة عن مشروعها الابتلاعي للضفة والقدس"، وهو ما تأكد "بعد مرور قرابة عقود ثلاثة من المفاوضات العبثية" الفلسطينية – الإسرائيلية.

السبب، أو مشكلة إسرائيل كما يرى الرنتاوي، تتمثل في "أنّ الضفة، وبالذات القدس، تقبع عميقاً في فكر الحركة الصهيونية القومي والديني"، وليست "فيمن سيحكم الضفة أو يديرها بعد جلائها عنها". ثم يشير إلى ذهابه "بعيداً في إيراد الشواهد الدالة على بؤس نظرية (وحدوا الأردن وفلسطين)"، وهو ما يفهم منه أن تلك الشواهد هي الوقائع التاريخية الأربعة المذكورة وما سبقها من ملاحظات، ثم يورد تفسيرات لتقديم هكذا أطروحة/ نظرية من قبل صاحبها، كالعجز والإحساس بالهزيمة ونظرية المؤامرة، ودلالة مكان الأطروحة وزمانها وهوية صاحبها، بالإضافة إلى أنّ الأطروحة، (ربما "صُممّت" عن سبق الترصد والإصرار، لإحداث الوقيعة بين الأردن وفلسطين وفيهما، وبين الأردنيين والفلسطينيين، ولإضعاف منعة الجانبين، في مناخات "صفقة القرن الممتدة" و"مسار إبراهام التطبيعي"، ومساعي تنصيب قيادة بديلة عن قيادة منظمة التحرير واستهداف الأردن بمشروع "الفتنة").

خاتمة مقالة الرنتاوي تتركز في نتيجة مفادها أنّ (الذين يدعوننا لتوحيد الأردن وفلسطين ثانية، إنما يتدثرون بهذا الثوب الجميل، للتغطية على جوهر المشروع الوحيد "الواقعي" و"الممكن": إسرائيل تريد الانفصال عن الفلسطينيين والاحتفاظ بأرضهم في الوقت ذاته)، وأنهم (لا يجرؤون على التوضيح: عن أي فلسطين يتحدثون..).

لنبدأ القراءة الهادئة مرة ثانية من زاوية نقد "النقد" الوارد في مقالة الرنتاوي لأطروحة اسميك، ونبدأها بما يفترض أن يكون "بدهياً" و "منطقياً" و "موضوعياً" في عالم الكتابة المهنية، وهو حوار "الأفكار" لا "الأشخاص" بعيداً عن تسجيل "المواقف" بداهة، والانطلاق من "مقدمات" مبرهن عليها، وذات صلة مباشرة بالقضية، إلى "النتائج" المبتغاة، بوصفها نتائج صادقة أو حقيقية منطقياً، والالتزام بحدود "الموضوع" قيد النقاش، وعدم الخروج عنه إلا لضرورة يقتضيها ذات الموضوع، حتى لا نقع في محظور قول شاعر فلسطيني معاصر: "مرمى الحصى عنكم أريحا .. لا تدوروا ألف ميل!".

في هذا السياق لا تعنينا شخصية صاحب الأطروحة، ولا يفيدنا قدح ولا مدح، لأنّ "الفكرة" المطروحة تفرض ذاتها (القديمة/ الجديدة) بحكم طبيعتها المتصلة "بمصيرنا" جميعاً في الأردنّ وفلسطين، ومن نافلة القول التأكيد على "حقنا" جميعاً في نقاشها. وفي ذات السياق لا يبدو "منطقياً" الانطلاق من "نتيجة" تحكمّية مسبقة تسخّف ما أثير حول الفكرة من نقاش، وتصفه ب "اللغط" الكثير، ثم تعود للحديث عن "حساسية" الأطروحة ومكان إقامة صاحبها (المجهول الذي لم يسمع به من قبل أولاً، ثم المعلوم الذي تشكّل هويته دلالة للارتياب ختاماً) كسبب للاهتمام بها، ولا تخفى التناقضات، بل والمغالطات المنطقية في كل ذلك، ونحن لم نغادر الفقرة الأولى من المقالة بعد.

الفقرة الثانية تتحدث عن المخاوف والهواجس التي نبتت على جذع آخر: انسداد مسارات "حل الدولتين" واشتداد الحاجة لبلورة خيارات وبدائل، فضلاً عن "السياق الإبراهيمي" للتطبيع العربي الإسرائيلي، والتحسب من "دحلانية جديدة". والسؤال هنا، وانطلاقاً من اتفاقنا مع الرنتاوي فيما يتعلق ب (انسداد مسارات "حل الدولتين") هو: هل الحاجة لبلورة خيارات وبدائل لذلك الانسداد مرتبطة "حصراً" بالسياق الإبراهيمي إياه؟ وهل تُصنّف كل محاولة، حتى للتفكير، في البحث عن خيارات وبدائل ك "دحلانية جديدة"؟ لماذا وكيف تم الربط بين هذه وتلك في الفقرة الثانية من مقالة الرنتاوي؟

في الفقرات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة سنتفق مع الرنتاوي أنّ الفكرة في ذاتها ليست جديدة، وذلك أوضح من أن يحتاج إلى شواهد من هنا أو هناك، لكننا سنطرح سؤالاً حول "جدّية" الفكرة، حيث يربط الرنتاوي جدّيتها ب "البرهنة على أنّ إسرائيل ستبدي الاستعداد لإنهاء احتلالها للضفة والقدس الشرقية وتسليمهما للقيادة الأردنية"، والسؤال هو: على أي أساس يُطلب من صاحب الفكرة البرهنة على "جدّية" إسرائيل؟ ولماذا؟ إلّا إذا كانت "الجدّية" هنا منصرفة نحو إسرائيل وليس لفكرة التخلص من احتلال إسرائيل للضفة، بما فيها القدس، وفي ذلك "تعسّف" واضح في الربط -بين صاحب الفكرة وبين الموقف الإسرائيلي-، والاستنتاج، ناهيك أن تحقق تلك "البرهنة" يحلّ المشكلة من الأساس، وينهي حالة الجدل حول "جدوى" الفكرة ومعناها.

الفقرات التالية من السابعة وحتى الثانية عشرة يكرّسها الرنتاوي لأربع وقائع تاريخية مهمة، ثم يشير بعدها إلى ذهابه "بعيداً في إيراد الشواهد الدالة على بؤس نظرية (وحدوا الأردن وفلسطين)"، وهو ما يُفهم منه أنّ تلك الشواهد هي تلك الوقائع التاريخية الأربعة، مع ما سبقها من ملاحظات تم نقاشها. وهنا يبرز "التعسّف" في الربط بين المقدمات ونتيجتها، أو بين الشواهد والحكم "ببؤس" النظرية الناتج عنها مرة أخرى، فكيف يستنتج الرنتاوي أنّ فشل المحاولات الأردنية والمصرية والفلسطينية لاستعادة الاراضي المحتلة عام 67 تشكّل شواهد على بؤس نظرية (وحدوا الأردن وفلسطين)؟ أو أين هو الرابط المنطقي ما بين تلك الشواهد والنتيجة التي انبنت عليها؟ وهل يعني فشل محاولات تحرير فلسطين، منذ لحظة الاستعمار البريطاني في العام 1917، ثم الاحتلال الصهيوني في العام 1948 وحتى اللحظة، وصف مشروع التحرر الوطني ب "البؤس" على سبيل القياس؟ يبدو أنّ الرنتاوي قد ذهب بعيداً أكثر مما يحتمله المنطق البسيط!

في الفقرة الثالثة عشرة يكتب الرنتاوي: "المشكلة أنّ الضفة، وبالذات القدس، تقبع عميقاً في فكر الحركة الصهيونية القومي والديني"، و "أن تنامي ثقل (لوبي الاستيطان) في السياسة الإسرائيلية، يحيل ما كان صعباً من قبل إلى ضربٍ من المستحيل اليوم". قد نتفق جزئياً مع الرنتاوي هنا، لكننا نزيد أنّ ذلك "جزء" من المشكلة وليس المشكلة كلها، ولكن حتى لو اتفقنا أنّ تلك هي المشكلة الراهنة، أليس المفروض بعدها أن تتجه الأسئلة نحو سبل "هزيمة" ذلك الفكر و"دحر" مشروعه الاستيطاني على الأرض، وليس الوقوف عند عتبة "الاستحالة" التي تنعدم بعدها الخيارات؟

الفقرة الرابعة عشرة يكتب الرنتاوي مرة أخرى عن المشكلة، حيث أنها "تكمن في التداعيات والذيول المستمرة والحاكمة للنكبة والهزيمة، والمشكلة تكمن في اقتناع قطاعات متزايدة من الرأي العام الإسرائيلي، أنّ بمقدورها الاحتفاظ بنتائج تينك الحربين". السؤال هنا: الا تحتاج تلك "التداعيات والذيول" لبعض التوضيح الدقيق من قبل الرنتاوي؟ ثم: كيف يرى الرنتاوي طريق الحل لتلك المشكلة "المضاعفة" في بعديها: بعد التداعيات والذيول، وبعد الرأي العام الإسرائيلي؟ ذلك ما لم تجب عنه المقالة.

الفقرتان الخامسة عشرة والسادسة عشرة يرد فيهما "تفسيرات لتقديم هكذا أطروحة من قبل صاحبها، كالعجز والإحساس بالهزيمة ونظرية المؤامرة، ودلالة مكان الأطروحة وزمانها وهوية صاحبها ...". فيما يتعلق بنظرية المؤامرة التي "لها ما يبررها" حسب الرنتاوي فإنّ من حق القارئ الاطّلاع الكامل على تلك المبررات والحكم عليها بحكم خطورة الموضوع العالية، وليس الركون إلى "اقتناع" الرنتاوي بأنّ الأطروحة ربمّا تكون "صُممت" عن سبق الترصد والإصرار ...الخ، لأنّ تلك القناعة المستندة إلى "ربّما" ليست "حجة" موضوعية لبناء هكذا افتراض كبير. أمّا موضوع العجز والإحساس بالهزيمة فمن منا لا يعاني منهما؟ و "ألم يكن من الأنسب والأليق الاعتراف بالهزيمة" كما يقول إدوارد سعيد، بدلاً من الغرق في متاهة أوهام الانتصارات الكاذبة التي لا مخرج منها إلاّ إليها؟ّ!

الفقرة السابعة عشرة، وهي فقرة قصيرة، ملخصها هو أنّ "أخطر النزاعات الأهلية وأكثرها دموية، تلك التي تكتسب طابعاً (هوياتياً)، ولقد رأينا كيف اشتعل الغضب في الأردن وفلسطين جراء محاولة (تحريك) هذا الملف من جديد". السؤال البسيط والمباشر هو: أين هو ذلك الغضب المشتعل والموضوع لمّا يراوح بعض الصالونات الافتراضية القليلة على شبكة الانترنت؟ وكيف ظهر ذلك الغضب والموضوع كله لم يتجاوز درجة "اللغط" الكثير في ردود الفعل حسب وصف الرنتاوي ذاته في بداية المقالة؟ ولماذا يتم إقحام الطابع "الهوياتي" في هذا السياق؟

أما الفقرة الثامنة عشرة فهي ملتبسة، حيث تشير إلى (أنّ الذين يدعوننا لتوحيد الأردن وفلسطين ثانية، إنما يتدثرون بهذا الثوب الجميل، للتغطية على جوهر المشروع الوحيد "الواقعي" و"الممكن": إسرائيل تريد الانفصال عن الفلسطينيين والاحتفاظ بأرضهم في الوقت ذاته). وجه الالتباس يظهر في إطلاق صفتي "الواقعي" و"الممكن" على المشروع الإسرائيلي، والسؤال هو: هذا التوصيف للمشروع الإسرائيلي هل يمثل وجهة نظر الرنتاوي؟ أم يمثل وجهة نظر الذين يدعوننا لتوحيد الأردن وفلسطين ثانية كما يرى الرنتاوي؟ أم وجهة نظر إسرائيل ذاتها؟ في الحالة الأولى ثمة "كارثة" حقيقية. الحالة الثانية ليست أكثر من ادّعاء تحكمّي غارق في التعميم فيما يتعلق بمن "يدعوننا لتوحيد الأردن وفلسطين ثانية"، وفي مجافاة "النقل الموضوعي" فيما يتعلق بأطروحة اسميك التي نادت بالحفاظ على الأرض والمواطنين. أما الحالة الثالثة فهي ليست محل نقاشنا لأنّ المشروع الإسرائيلي سيبقى هو المشكلة مهما وصف ذاته.

الفقرة قبل الأخيرة فقرة بلاغية وغير موضوعية ومكررة لنظرية المؤامرة، بلاغية في توظيف مفاهيم "النهر المقدس" و "تدنيس العلاقة" في سياق النقد لفكرة سياسية، وغير موضوعية في ادعاء معرفة "أصحاب!" الفكرة للحدود التي ستسمح بها إسرائيل للدور أو "الخيار الأردني" رغم توضيح "صاحب" الفكرة لموقفه من ذلك الخيار بالمعنى الذي أشار إليه الرنتاوي، ومكررة لنظرية مؤامرة افتراضية لا دليل عليها.

الفقرة الأخيرة والقصيرة عمادها قول الرنتاوي: "إنّ الذين يدعون لوحدة الأردن وفلسطين، لا يجرؤون على التوضيح: عن أي فلسطين يتحدثون". هنا، ورغم اختلافي الجذري معهم، فإنّ من يشير إليهم الرنتاوي امتلكوا جرأة التوضيح لموقفهم من أنّ فلسطين التي يتحدثون عنها هي "الضفة الغربية وقطاع غزة"، لكن: هل وضّح الرنتاوي لقرائه عن أي "فلسطين" يتحدث هو؟ وما هي منطلقاته التي بنى، ويبني عليها مواقفه، حتى يكون الحوار في غاية الشفافية ومنتهى الوضوح؟

كل ما سبق يعيدنا إلى القراءة الأولى لفكرة حسن اسميك مرة ثانية، وهي في نظر كاتب هذه السطور لم تتجاوز حدود "الفكرة" التي اكتسبت أهميتها من السياق والتوقيت والموضوع والأثر الممكن بشكل أساس، حيث جاءت في سياق "موت" حل الدولتين، وفي وقت تتسارع فيه إجراءات ضم الضفة الغربية وتهويدها بشكل لم يسبق له مثيل، وحملت موضوعاً قديماً بمقاربة جديدة حافلة بالثغرات والمسكوت عنه، وإمكانية تحريكها للمياه السياسية الراكدة منذ زمن طويل.

موت حل الدولتين لم يعد "وجهة نظر" بل "حقيقة" تتحدث عنها الأرقام على الأرض، ناهيك عن المواقف الإسرائيلية الواضحة، من الحكومة ومن المعارضة على حد سواء، والتي أعلنت موت الحل على رؤوس الأشهاد. أما أرقام الأرض فتكفي الإشارة إلى أنّ مساحة الضفة الغربية المحتلة، وقلبها القدس، تبلغ حوالي 5860 كلم2 (21 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية)، ويزيد عدد مواطنيها الأصليين عن ثلاثة ملايين ومائتي ألف مواطن. 60 في المائة من مساحة الضفة الغربية الآن أصبح تحت السيطرة الإسرائيلية سواء تحت إطار محميات طبيعية أو مناطق عسكرية مغلقة أو مناطق (ج) خاضعة لسيطرة أمنية وإدارية لها كما يؤكد خبير الاستيطان ومدير دائرة الخرائط في جمعية (بيت الشرق) الفلسطينية في القدس خليل تفكجي. بلغ عدد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية 151 مستوطنة حتى نهاية العام 2019، وبلغ عدد المستوطنين 688,262 مستوطناً حتى نهاية نفس العام حسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مع ملاحظة أن عددهم ارتفع من 268,756 مستوطناً في العام 1993 إلى 379,099 في العام 2000، ثم إلى 688,262 مستوطناً حتى نهاية العام 2019.

في التوقيت تشهد الضفة المحتلة تسارعاً يومياً في إجراءات الضم والتهويد بشكل لم يسبق له مثيل، آخرها نشر إسرائيل يوم 24/10/2021 مناقصات لبناء نحو 1300 وحدة استيطانية جديدة، ومناقشة مقترحات لبناء ثلاثة آلاف وحدة أخرى. سبقها البدء بإنشاء محطة حافلات مركزية للمستوطنين قرب حاجز زعترة الفاصل بين وسط الضفة وشمالها، ستحتوي على أكثر من 300 موقف للحافلات، لنقل المستوطنين بين شمال الضفة وغور الأردن والجنوب و"تل أبيب"، وتوسيع شارع "55" الاستيطاني شمالي الضفة الذي يبدأ من شارع رقم "6" المسمّى "عابر إسرائيل"، ويربط بين مدينة "كفار سابا" الإسرائيلية ومستوطنات شمال الضفة، وينتهي عند شارع رقم "60" شرق مستوطنة "قدوميم" غرب نابلس، مع مخطط لتوسيع المستوطنات المحاذية لهذا الشارع يقضي ببناء 5650 وحدة استيطانية. ويأتي كل ذلك في سياق ما يسمى ب "ثورة المواصلات" للطرق الاستيطانية بالضفة المحتلة، إلى جانب تحسين خدمات البنية التحتية المختلفة، وفي إطار خطة الحكومة الإسرائيلية الهادفة إلى جلب مليون مستوطن جديد لمستوطنات الضفة، حسبما ذكرت وسائل إعلامٍ عبرية.

أما الموضوع القديم/ الجديد الذي طرحته فكرة اسميك فيكفي حوله التذكير بأهم ما جاء في القراءة الأولى لكاتب هذه السطور من نقد لها، من حيث غياب المسوّغ القانوني لضم قطاع غزة إلى الوحدة. وعدم التطرق للكتل الاستيطانية الكبرى في قلب الضفة الغربية المحتلة (أرئيل، ومعاليه أدوميم، وغوش عتصيون). والسكوت عن قضايا اللاجئين الفلسطينيين، وتحديداً في سوريا ولبنان، وعن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. والموقف من منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني باعتراف عربي ودولي، وكونها صاحبة الولاية القانونية والسياسية على السلطة الوطنية الفلسطينية. وآليات ضمان ديمقراطية الحل (استفتاء شعبي، انتخابات). وعدم الحديث عن كيفية تنفيذ الحل، وآليات إلزام إسرائيل به في كل تفاصيله.

ويبقى الأثر الممكن "للفكرة"، وهو ما ينبغي، في رأي كاتب هذه السطور، الإشارة إليه في نقاط مكثفة، هي:

أولاً: الفكرة، على علاّتها، ومن حيث المبدأ تشكّل فرصة لتحريك المياه السياسية الراكدة منذ سنوات طويلة، من أجل مواجهة ما يجري على الأرض يومياً في الضفة المحتلة، والبحث عن سبل "الخلاص" من الاحتلال والاستيطان والتهويد. وهذا يتطلب توسيع النقاش حول الموضوع حتى يصل إلى "كل من يهمه الأمر" من قادة وصانعي قرار وجماهير في الأردن وفلسطين وخارجهما، ولا بأس إذا تم "نسف" الفكرة من أساسها إذا اقتضى سياق الطريق نحو "الخلاص" ذلك، ولكن ليس قبل ذلك، وليس من نوافذ "الجدل البيزنطي" الافتراضي حول حجم إبليس وثقب الإبرة، لأنّ القدس ليست بيزنطة، ولا ينبغي لها أن تكون.

ثانياً: التمترس خلف فلسطين الحقيقية: فلسطين التاريخية والطبيعية، أو رفع شعار (خذوه جملة أو دعوه) لا يمنح صاحبه "قداسة" تعفيه من المسؤولية وترفعه فوق مستويات النقد وتمنحه حق المرور بدون سؤال، والقضية الراهنة (هنا والآن) هي قضية مستقبل الضفة المحتلة، وقلبها القدس، و (خطوة عملية خير من دزينة من البرامج)، لذلك:

ثالثاً: فلتبدأ المعركة من قلب الضفة المحتلة (مدينة القدس)، وباسم القدس، ولتكن الخطوة العملية الأولى، كمشاركة من كاتب هذه السطور، تطوير مفهوم "الوصاية" الدينية على القدس والمقدسات، وهو محل اتفاق فلسطيني أردني، ليكون مدخلاً للسيادة السياسية الكاملة (أردنية فلسطينية، عربية، إسلامية) عبر قنوات الشرعية الدولية ومحكمة الجنايات الدولية وغيرها، فالمهم أن "تتحرر" القدس من سرطان الاحتلال والاستيطان أولاً، (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).

* باحث فلسطيني




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :