facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة





دعوة إلى اختراع العجلة!


فهمي هويدي
11-08-2010 05:30 AM

الذي يطالع الصحف المصرية هذه الأيام يخيل إليه أن مصر فرغت من هموم الدنيا. ولم تعد تنتج شيئا سوى مسلسلات التلفزيون، بحيث تحولت المحروسة إلى ورشة عمل كبيرة تنافست فيها الفضائيات على الفوز بأكبر عدد من الأعمال الفنية «الحصرية»، لجذب أكبر عدد من المشاهدين ومن الإعلانات بطبيعة الحال. وكأنه أريد لنا أن نخرج من لوثة دورة كرة القدم وكأس العالم إلى لوثة المسلسلات الرمضانية، بحيث لا يبقى مجال بعد ذلك للانشغال بشيء آخر، ولا يعلو صوت فوق صوت كرة القدم حينا أو فوق صوت المسلسلات في حين آخر.
وقد شاء ربك أن يختلف الأمر هذا العام، وأن تضعنا المقادير أمام مفارقة كاشفة، إذ في حين خطفت أبصارنا إعلانات المسلسلات الجديدة التي أغرقت صفحات الصحف. وانتشرت ملصقاتها على جوانب الطرق العمومية مزينة بصور النجوم، داهمتنا الأخبار الواردة من الخارج التي تحدثت عن أزمة شح القمح، وصدور قرار في روسيا بحظر تصديره، الأمر الذي فاجأ مصر وأربكها، ودفع المسؤولين في الحكومة إلى عقد عدة اجتماعات وما لا حصر له من الاتصالات، لمحاولة احتواء الموقف وتدبير الاحتياجات اللازمة لتوفير الخبز في الأسواق. على صعيد آخر فإن المفاجأة دفعت بعض المنابر الإعلامية إلى التذكير بالأهمية الاستراتيجية للاعتماد على الذات في نوفمبر الخبز وغيره من الاحتياجات الغذائية الضرورية. والتنبيه إلى أن الاعتماد على الخارج في توفير تلك الاحتياجات هو بمثابة ارتهان للخارج في حقيقة الأمر.
قرأت لأحد الجهابذة نداء يقول للناس: «أنتجوا غذاءكم»، واعتبرته دعوة لاختراع العجلة من جديد. وكأننا نسمع بهذا «الاكتشاف» لأول مرة، ولم يكن بمقدرونا أن نتوصل إليه إلا بعد أن فوجئنا ذات صباح بأن روسيا أوقفت تصدير القمح إلى الخارج. وهذا الجيل من الكتاب معذور؛ لأنهم حين شغلوا أنفسهم بالمشاركة في التهريج طول الوقت وبالتصفيق والتهليل لإنجازات الحكومة وفتوحاتها. لم يكن بوسعهم أن يدركوا أن ثمة شيئا جادا في حياتنا ينبغي أن يحتل مكانه في قلب جدول أعمال الحكومة وفي إدراك الناس ووعيهم. شيء غير كرة القدم ومسلسلات رمضان.
لقد سقط مصطلح الإنتاج من قاموس المرحلة، وشغلنا طول الوقت بالاستهلاك والاستيراد والجباية والاقتراض. وظل بعض الجهابذة يعتبرون أن الاستثمار الأجنبي هو الحل الأول، وأن بيع أصول البلد هو الحل الثاني - وكما لم تراهن السلطة على المجتمع في تثبيت أقدامها وتعزيز شرعيتها واكتفت في ذلك بأجهزة الأمن وهراواته، فإن أولئك الجهابذة لم يراهنوا على المجتمع في الإنتاج الذي يلبي احتياجاته الأساسية، وآثروا التعويل على الاستثمار الأجنبي والاستيراد في الخارج. كأن العجز السياسي الذي ارتهن مصير البلد لصالح الإرادة الأجنبية، استصحب عجزا اقتصاديا أذهلنا عن حقيقة بديهية تمثلت في ضرورة الاهتمام بالإنتاج وإعطاء الأولوية لتشجيعه والنهوض به.
في عام 1935، جاء أحد المسلمين اليابانيين إلى مصر، واستقل باخرة من السويس لكي يؤدي فريضة الحج. وفوجئ بأنهم عرضوا على ركاب الباخرة شريطا سينمائيا ظهرت فيه سيدة ارتدت ثوبا سرعان ما تمزق منها حين دخلت إلى السوق، وأبلغ المشاهدون أن ذلك حدث لأن قماش الثوب مصنوع في اليابان، وليس في مصر. وحين ظهرت السيدة بثوب آخر صنع قماشه في مصر. فإنها دخلت إلى السوق وخرجت منه وهي فخورة بثوبها الذي نال إعجاب جمهور السوق.
استاء الحاج الياباني الذي حمل اسما إسلاميا هو محمد صالح (كان اسمه الأصلى سوزوكي تاكيشي). وعبر عن استيائه في كتاب ألفه بعد العودة ترجم إلى العربية تحت عنوان «ياباني في مكة». لكنه فرح في النهاية حين لاحظ أن الشاشة التي عرض عليها الشريط صنعت في اليابان، الأمر الذي عوضه عن انتقاد القماش الياباني.
هذه الواقعة تنبهنا إلى أن مصر كانت غيورة على إنتاجها وفخورة به قبل أكثر من سبعين عاما. لكننا قطعنا أشواطا بعدها إلى أن وصلنا إلى «أزهى العصور». ووجدنا من يفيق ذات صباح من الغيبوبة المخيمة ويكتشف أننا ينبغي أن ننتج غذاءنا.
إن المشكلة ليست في أننا لا ننتج فحسب، ولكنها تكمن أساسا في افتقادنا الجدية في حياتنا، ليس في مسألة الغذاء والإنتاج فحسب، وإنما في أمور أخرى كثيرة ربما كانت المياه على رأسها، التي يستمر اللغط حول احتمالات وفرتها، في حين تنتشر في بر مصر البرك الصناعية وملاعب الجولف، وما حدث في المياه هو ذاته الحاصل في التعليم والاقتصاد والسياسة أيضا. وإذا كنت في شك من الأخيرة فطالع الجدل المثار حول التوريث وبدائل المستقبل. لتتأكد من أن التهريج لم يترك مجالا إلا وضربه في مصر.

السبيل




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :