facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة





مواطنة "هايبرد"


وليد شنيكات
19-08-2022 09:56 AM

توصف لندن بالمدينة الثانية بعد نيويورك في المواطنة العالمية "كوسموبوليتاني"، وهنا تغيب العنصرية بكافة تفاصيلها لصالح المجتمع الواحد والتشبيك الإنساني الذي ينحاز للقضايا العليا بعيداً عن الهويّات الفرعية المقيتة التي تَستنزف الرصيد الوطني الجامع وتودي بالجهد العام أياً كانت أطرافه ومشاربه.

ريشي سوناك أول بريطاني من أصول هندية يسعى للوصول إلى "10 داوننغ ستريت" مقرّ الحكومة وذلك في حال فوزه على وزيرة الخارجية المستقيلة ليز تراس لخلافة بوريس جونسون، إذ لا فضل لأبيض على أسود إلا بالانتماء الصادق والمنافسة الحقيقية في خدمة الشعب. يقول سوناك "أنا بريطاني مهما يكن.."، هو يشجّع الفريق الإنجليزي عندما يلعب ضد الفريق الهندي في مباريات الكريكت، وفي سن المراهقة كتب مقالاً في مجلة المدرسة انتقد فيه خطط توني بلير الداعية إلى تفكيك المملكة المتحدة. لَمْ يتربَّ على كُره الوطن حتى وإن كان أصله هندياً، أو تعرّض لغسيل دماغي من أُسرته عن أصله وفصله، وكيف جاء إلى هذا البلد.

تَخلَّصْ من ولاءاتك الضيقة وأحقادك الدفينة تكن أفضل الناس، كمن ظفر بالرهان مرتين، كسب نفسه وساهم في بناء وطنه. المواطنة هنا التي لا تقبل القسمة على اثنين وغير منقوصة، لا تشوبها شائبة ولا تَعيبها عائبة هي رصيد حقيقي يُضاف إلى خزينة الوطن الأكبر.

هذه المعادلة في الانتماء الصادق تكاد تغيب عن بال كثيرين في مجتمعنا الأردني، وحتى عن بعض "بياض البلد" ممن يتولّون أرفع المناصب في الدولة، فمازلنا نفتقر بحق إلى أساسات الأخلاق المشتركة والنسيج الناصع في المجتمع الواحد الذي ينبذ الخلاف لصالح الاختلاف، والتدافع بدلاً من التنازع الذي يكون على حساب الوطن، ويأكل من رصيده في العطاء. يجب ألا نأخذ الوطن رهينةً لأهوائنا وغاياتنا، نتعامل مع قضاياه الكُبرى كموظفين وتجّار.. أنا أولاً ومن بعدي الطوفان.

خُذ مثلاً، العادات والتقاليد التي تأسرنا بقدر ما نأسرها، وخلفيات الماضي الأَسود التي تؤطرنا وتشكّل الذاكرة الشخصية لكل واحد منا، كلها أصنام نصنعها وتصنعنا، ونعبدها رغماً عن أنوفنا، وتَحضر جميعاً ملء التصوّر والخيال، فتتسيّد في ملكوت اللحظة الراهنة والزمن القريب، وتفرض نفسها واقعاً وحالاً متجدداً وصاحبة الأمر والنهي، لا يُغني غَناؤها ولا يقوم مقامها شبيه ولا مثيل، فيصير الباطن الخفيّ مقدّماً على الظاهر المتمثل، والحاضر مجهول فيما هو مُتوَقَّع من حسابات المستقبل، فيغدو الوطن كإطار الصورة الذي تتقابل فيه الأشياء وتتلاقى الشخصيات فيتراجع الكيان المتأصّل لصالح المصلحة الزائلة كالعاشق الذي بَارَ عشقه وانطفأ بريقه وصار من جانب واحد أسيرَ المنفعة لا الوفاء الشريف، فالشرق والغرب لا يلتقيان والخبيث والطيب لا يستويان..

لو قُيِّض لنا أن نقيسَ منسوبَ المواطنة الحقّة في البلاد لكُنّا في ذيل القائمة بالنظر إلى الممارسات والسلوكيات والمشاهدات التي نلاحظها على مدار النهار والليلة، فثَمّة تنافسٌ محموم بقصد أو غير قصد في إقصاء الوطن، وإحلال مفاهيمَ جديدةٍ في الانتماء من زاوية "أنا أولاً"، وقد يعتبرها هؤلاء جزءاً من السياسة والكياسة وبُعْدِ النظر، والغُنْم أكثر من الغُرْم، وهي في الأصل ومهما أضفْتَ إليها من المحسنّات اللفظية طعنٌ في ظهر الوطن.

هذه طائفة من الناس، بدلاً من أن يوطّنوا أنفسهم على حب البلاد مَرَدوا على النفاق بعد أن صار أسهل الطُرق وأيسرَها للتعبير عن الولاء، وفي الواقع هم كالتجّار أعظمُ الربح أو أقلُ الخسارة، ولا يريدون أن يجازفوا بحظوظهم في تقلّد المناصب والمواقع، يريدون فقط أن يظفروا بالمَغْنَم دون المَغْرَم حتى لو كان ذلك على حساب البلاد والعباد، هؤلاء عُدّتهم وعَتادهم المُداراة والمراوغة ومكر الثعالب.

إذاً، هي "مواطنة هايبرد" تأكل من رصيد الوطن الحزين، وتستأصِل خضراءه اليانعة ببطء شديد من دون أن يلتفت إليه أحد، ليس لها قِبلة أو عنوان، تتفشّى في مفاصل الدولة وتسري منها مسرى الدم، حتى تُنهكها وتصير جسداً بلا روح، تماماً كالمريض الذي يستمدّ عافيته عبر الأجهزة المزوَّدة بالمحاليل الكيماوية، ويصبح الوطن الواحد أوطاناً متعددة، كلٌّ له وطنه ومشربه، ولَعمري إنها الداء الذي ليس منه شفاء والبلاء الذي يَصعُب الخلاص منه، فبدلاً من أن يؤثروا وطنهم يؤثرون أنفسهم وكلّ حزب بما لديهم فرحون.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :