facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





عودة مريم ..


هديل الحليسي
29-09-2010 03:23 PM

كنت وصديقتي نجلس في ذلك المقهى الهادئ نحتسي فنجانين من القهوة، حين دخلت تلك العجوز الثمانينية وهمت بالابتسام لـ (مراد)، ذو العشرة شهور من عمره محدثة اياه عن احفادها الذين لا تستطيع ان تزورهم ولا يزورونها باستمرار، فهي عجوز في السادسة والثمانين من عمرها ولا تقو على السفر بالطائرة او القطار او حتى ركوب الباص لمسافات طويلة، فكندا كبيرة ومساحاتها شاسعة وليس من السهل عليها قطعها. لكن ابتسامة الرضى والسعادة كانت تعلو وجهها، وكانت تشبهها الى حد كبير،،، تشبه مريم.

تيتا مريم او مريم حسن العباسي (ام وليد)، التي فارقت عالمنا في العشرة الاوائل من شهر رمضان الماضي، كانت في عمر تلك السيدة (الكندية) التي صادفتها اليوم، كانت تحمل نفس نظرة العينين والابتسامة والهدوء. فقد كانت تيتا مريم هادئة ومتزنة وملتزمة وحاسمة وصارمة وكانت تبكي كلما سمعت صوت او اسم احد ابنائها المنتشرين في الارض بحكم كونهم فلسطينيين دون جنسيات فلسطينية، يحملون مختلف الجنسيات، ولم يستطع ان يحملها الا واحد منهم.

كلما تزوجت الصبوحة التي كانت من عمر (تيتا مريم) تقريبا، مازحناها مقترحين ان نزوجها، فصباح ليست افضل منها (ما في حدا احسن من حدا).

اجتمعت مريمان في الاونة الاخيرة، مريم الام والجدة ومريم السفينة، اجتمعتا على امنية واحدة، ان تصلا الى فلسطين، فوصلت الام ولو بعد وقت طويل من الزمان ومنعت السفينة من الوصول، شربت من مياه فلسطين قبل ان تطأه سفينة مريم. خرجت مريم من فلسطين دون ان تعلم انها لن تعود الا بعد انقضاء عسل الشباب. وكما اجلت سفينة مريم رحلتها الى اجل غير مسمى، تاجلت عودة مريم العباسي الى تراب ارضها طويلا، لتعود اليها بعد ان رحل الشباب الى اللاعودة. وكما حملت سفينة مريم باقي النشطاء على متنها في انتظار اذونات المرور من الدول المعنية، بقي بعض اولاد "تيتا مريم" في انتظار الاذن من العدو للسماح له بالمرور ورؤية والدته، رحلت مريم التي انجبت سبع اولاد وابنتين بوجود ابن واحد فقط الى جانبها، الذي كان يتلو القرآن حين خرجت روحها الى بارئها.
رحلت مريم بعد عودتها الى الارض التي تركت فيها بيتا واهلا، لتعود العودة الحلم الذي انتظرتها سنوات طويلة امتدت منذ النكبة مرورا بالنكسة. كانت اول ام تحصل على الجنسية الفلسطينية وتدخل بها الى فلسطين. شهدت النكبة وعاشت كل تفاصيلها، وكانت تحكي لنا عن اليهود وحياتهم المشتركة مع الفلسطينيين قبل النكبة، وعن جارتها اليهودية التي كانت تجمعهما علاقة جيرة طيبة في القدس قبل النكبة، تضمنت حكاياتها اجزاء مختلفة من الطفولة وايام الدراسة وعن والدها "شيخ المسجد الجليل" الذي اورثها واخوتها حب الله والدين. كانت سعادتها في الحصول على الجواز الفلسطيني لانها كانت تريد ان تموت في فلسطين. بالرغم من انها كانت تعي تماما حجم التضحية التي يعنيها هذا الامر، فعودتها كانت تعني بعدها عن مرقد رفيق عمرها الذي سبقها الى لقاء ربه قبل اكثر من عشرين عاما. كانت تعي انها لن يجمعها منذ لحظة العودة (العيد) مكان اوزمان مع اولادها السبعة الموزعين في اصقاع الارض (كما هو الحال مع ملايين الفلسطينيين)، وكان كل لقاء لها باحدهم يحمل من الدموع ما يبكي جميع الحاضرين وكل وداع يحمل من الالم نفحات وداع ابدي،،،حيث يحمل ابناؤها جنسيات مختلفة منها الغربية ممن حالفهم الحظ واستطاعوا دخول (البلاد) دون مشاكل، اما ان ارادت ان ترى من لم يحالفة الحظ في الحصول على جواز المرور الى تلك الجنان، فكان يتوجب عليها الذهاب الى الاردن بالرغم من تعبها ومرضها وهرمها الشديدين لقضاء ايام مع فلذات كبدها وتوديعهم مرة اخرى.

رحلت مريم الحسن بعد مشوار طويل في الرابع من رمضان، الخامس عشر من آب عام الفين وعشرة. وقد شكلت تجسيدا لحياة الفلسطينيين، من وداع ورحيل ودموع وفرح خجول، شعب لم يكتب له ان يعيش حياة طبيعية. رحلت مريم الحسن دون ان اراها لمدة سنتين، لكنها باقية في ذاكرتي وذاكرة ابنائي. قال لي ابني حين رآي دموعي تنهمر لاستلامي خبر رحيلها،،لا تبكي يا امي سوف ترينها في الجنة ان شاء الله،،،فقلت له....... آمين.




  • 1 د.فالح الحوري 29-09-2010 | 04:48 PM

    كلمات تستحق القراءة لانها معبرة ورائعة بمضمونها
    ونسأل الله جلت قدرته ان يحرر فلسطين من دنس الغاصبين الصهاينة الانجاس ويعيدها الى اهلها انه على ذلك لقدير


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :