facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




في رحيله الخامس والثلاثين الدامي : كنفاني وترسيخ المفهوم السياسي والموروث الانساني في رواياته الأخيرة


12-07-2007 03:00 AM

عمون - ما زلتَ حاضرا، لا تعترف بغيابك، تعود الينا داميا مع تموز والعنب والتين، كالدالية "تشق التراب بعنفوان له صوت، تأخذ ماءها من رطوبة التراب والهواء ثم تعطي دون حساب."، ألم تقل يوما:"إن أمامي عمرا أريد أن أدركه قبل أن يطير، فهو لا يكفيني لإخراج كل ما يموج في الداخل." تُذهلُنا، تُبهِرُنا، نقرأؤك مرتين وثلاثا وعشرا، نرتوي من قلمك الذي اغتاله الغطرسة "الاسرائيلية" في الثامن من تموز 1972نهارا متحدية العالم بقلعه بعد أن كان فتيل ثورة شعب أشعَلْتَها بكتاباتك وأدبك، ملقية بأشلائك المثخنة بالسكري والنقرس أمام منزلك.
غسان كنفاني الذي ولد في في عكا 1936 مع الاضراب الذي شمل أنحاء فلسطين، ونزح مع عائلته في 1948 ، يعيد ترتيب البيت الفلسطيني والانسان والقضية والزمن والمكان في رواياته الثلاث الأخيرة التي حال القدر دون وضع صياغتها النهائية وعناوينها.
فبعد أن كانت الإرادة مسلوبة، والروح مُذِلة والانصياع للإنتهازية في صفقة الموت في "رجال في الشمس". وبعد الحوار العقيم الذي لم ينم عن اعتراف "دوف" بوالديه متهما اياهما بالجبن والضعف في "عائد الى حيفا".و"خيمة عن خيمة تفرق" في "أم سعد"، يدق باب المقاومة والاحتكام الى ارادة شعب تاه بين القيادات العربية والمنظمات الدولية، معلنا حمل السلاح والتحرير، فجاءت أعماله أنموذجا للرواية العربية التي بدأ ظهورها في منتصف القرن المنصرم.
في ملحمته "العاشق" التي أراد أن يؤرخ فيها حكاية شعب "قاسم..عبد الكريم..حسنين.. السجين رقم 362" ، ذهبت الرواية الكنفانية لفعل واحد، النضال الذي بدأ ظهوره تدريجيا في "ما تبقى لكم" التي نال عنها جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان 1966 عندما قال حامد:"ليس لدي ما أخسره الآن...وسعيد في "عائد الى حيفا" الذي يرفض الذهاب في بداية الأمر الى حيفا:"لا أريد الذهاب الى حيفا، هو ذل واحد لأهل حيفا، وبالنسبة لي ولك، لماذا نعذب أنفسنا مرتين؟" وينهى زيارته للسيدة العجوز وابنه الذي واجهه قائلا:" كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا،كان عليكم بأي ثمن ألا تتركوا طفلا رضيعا في السرير، عشرون سنة ياسيدي.. لو كنت مكانك لحملت السلاح من أجل هذه.."رغم ادراك سعيد هذه الحقيقة منذ عشرين عاما في حوار الذات، ليخرج من المنزل مؤملا: "أرجو أن يكون خالد قد ذهب أثناء غيابنا..."وفي أم سعد، تتحدى بابنها الذي التحق بالعمل الفدائي، لينقلنا في "العاشق" من الوعي الثابت الى الفعل، والانتظار القاتل الى الحركة في الزمن والمكان، ليصبح الفعل جماعيا والانعتاق من حالة الطاعة الى خلق إرادة تتحدى الواقع الصعب:"دخلها ذات يوم كما تدخلها الريح القادمة من الجبل، وصار لتوه من أشيائها الصغيرة لكنه أبدا لم يستطع أن يكون من ناسها.. تسلل اليها بلا صوت، لأول مرة صار موجودا فجأة.." هي الارادة.. الفعل.. لندرك أن العاشق الذي تكويه من الداخل أشد حرارة من النار التي داس عليها، بعكس الصورة التي وصفتها أم سعد عن زوجها:" هو مدعوس بالفقر والمقاهرة وكرت الاعاشة وسقف الزينكو..." تدرجا واعيا لواقع يعيشه الفرد الفلسطيني، مفارقة واضحة اللغة، والنضال هو الحل الذي لا خلاص دون اتباعه وادانة لذاك الحوار الذي جرى بين سعيد وابنه معترفا أنه دفع ابنه ثمنا."ذلك كان حصتي الأولى.." فلم يجد مكسبه الا في ذهاب ابنه الثاني "خالد" - المستقبل للعمل الفدائي. هي الرؤية التي استشرفها كنفاني في عمله السياسي والفكري.
العاشق استثنائي،مرتبط بالأرض، تاتينا صورته في كل القرى ووراء قلعة الحجار وتحت العتبة، وفي غرفة أضيق من رئتيه اللتين تنفستا. أقلق مضجع الكابتن بلاك، وتحدث عنه مركز البوليس في عكا، وارتجف منه أحمد القاضي، وتذكره الحج سالم يوم تصدى له مُلثما، ورجال كثيرون لمحوه هنا وهناك. العاشق الذي يفهم الخيل ويحادثه:"صار موجودا فجأة لحما ودما حين غاب..."
يطور كنفاني أدواته اللغوية والفنية باتجاه تعميق الحدث المتواتر من خلال استحداث اشكالية جديدة وتأسيس لغة روائية تتصف بقدرتها على التأويل واختزال المعنى الملامس للواقع دون اسهاب في الحالة التوصيفية متضمنا الحوارات التي صاغها بحرفية مبتعدا عن لغة الاستسلام في "رجال في الشمس" 1963وهو العمل الروائي الأول، والذنب في "عائد الى حيفا" التي كانت قائمة على حوار الذات والآخر الذي كانت حجته أكثر عمقا وادراكا للواقع المعاش حتى بدا سعيد مستسلما للأمر الى حين. والأمنيات التي جاءت على لسان أم سعد.
وفي "الأعمى والأطرش" - عنوان يحمل دلالاته الرمزية في الحال العربي والعالم – انتهج كنفاني نوعا جديدا في الرواية عندما قسّم الفصول على لسان الأعمى حينا، والأطرش حينا آخر، متخذا من عاهتهما دخولا للحالة التي أراد فيها كشف الايديولوجية السياسية والاجتماعية. فكانت تغييرا منهاجيا شكليا للرواية عاكسة التمزق بكل تجلياته. فهل كان اختياره للأطرش والأعمى الذي يقول:" لقد قادني المبصرون خارج طيرة حيفا، وأن للعمي أن يتحركوا. إن الأشياء التي ترونها ليست هي.." عبثا؟! واصفا حاله في مقطع آخر:"أنمو على الحائط الخارجي لهذا الكون، مثل طحلب مقرف مشمئز من نفسه، ويبحث عن الزاوية والظل، الصمت والعتم، الصخب والضوء.." هو الشعور بالقهر في دواخله. مستخدما المعنى المجازي في المفردات المتقابلة، لغة تنويرية لرسم الذات بالصور اللاحسية ليسقطه على الحالة العامة. لكنهما برغم معاناتهما الحسية يكشفان العجز العربي والعالمي المتمثل في"عبد العاطي" الوالي، - يعد أن حمّل كنفاني الفلسطيني فقط هول ماحدث - الذي يتبعه كثيرون دون وعي، ويتباركون فيه ليُفرج عن كربهم، فلا يشعر الأعمي بحقه في الحياة الكريمة إلا إذا: " كما صرفت أنت من أعمارنا كي نعيش لا تستطيع إلا أن نصرف من موتك كي نمحوك تماما من حياتنا ثم نرتقي فوقك.." واذا كانت حالتهما تحمل مدلولات سياسية واجتماعية بالاضافة الى حالة "زينة" المرأة التي تدفع شرفها لأجل لقمة العيش، فعلى الصعيد السياسي حالة "أبي حمدان" الذي خرج من السجن سياسيا، حتى أن حمله للسلاح جاء من العمل السياسي المنظم.ولم يعد "طق..طق" فقط. ولا ريب أن التدرج الواعي نحو الواقع جاء عبر وعي كنفاني وقراءته للحدث سياسيا اجتماعيا ونفسيا مبتعدا عن الحوارات التي غلبت في رواياته الأولى مكتفيا بدلالات لغوية مؤولة كما أرادها دوما.
وفي "برقوق نيسان" التي وثّق شخصياته بتفاصيلها الحقيقية بهوامش الرواية غير المكتملة، خلاصة عميقة لنهج كنفاني في ترسيخ المفاهيم الانسانية والقضية والعمل الفدائي بدءا بقاسم خليل الشهيد مرورا بوالده العجوز الذي لم يفصح عن علاقته بابنه أمام الشرطة خوفا عليه، وسعاد وقاد التي يتوسط شعرها بقرص أحمر من زهر البرقوق، ووليد الطفل ووالده زياد حسين وطلال، وصحن الكنافة، والرسالة التي كان يبعثها حسين بعينيه لأبي قاسم أثناء احتجازهم جميعا في منزل وقاد المختفية عن الأنظار. فيها اعتراف حقيقي أن لا حرية فردية لكسب الحق المشروع كما كان عفويا مع "خالد و سعد" في الروايات السابقة، إنما حرية الفرد من حرية الجماعة، والعمل الفدائي لا يأتي من عمل فردي، وإذا كان النزوح رغما عنه وأُرغم على التكدس فيه لبعض الوقت، فإن من الطبيعي أن يسعى مع من حوله للتخلص من الإحتلال عبر التحاقه الشرعي في صفوف الفدائيين. لذلك كانت "برقوق نيسان" محصلة حتمية للوضع الاجتماعي المؤلم وثمرة العمل السياسي المنظم فعلا، ولغة حاكت البعد النفسي، بين الحركة الخارجية المتمثلة في الشخوص والزمن والمكان والإيماء مثل؛ نظرة العين التي اختزلت المعنى السياسي والنضالي، وأصابع الشهيد، فجاءت ناطقة للحالة الجماعية الاستشهادية
وقياسا لعمره القصير وعمله الأول الذي نشره وهو في السابعة والعشرين من عمره ندرك أن كنفاني الذي ترعرع في أحد المخيمات مختزلا واقعه ومفرداته وضيقه ومعيشته مع كثيرين منتظرين كرت الإعاشة والذي وصفها بحذافيرها في معظم الروايات وأهمها " الأعمى والأطرش" وعمل في دمشق و "الأونروا" والكويت وبيروت رئيسا لجريدة "الهدف"... كان بحاجة الى عمر آخر ليخرج كل ما يموج في داخله.. ألم يقل ذلك يوما؟!







  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :