محنة الخطاب الاعلامي العربي * أ.د. ناجي معلا
06-12-2010 06:18 PM
نعتقد نحن العرب ان ما تنقله وسائل اعلامنا العربية وقنواتها المختلفة - وخاصة الفضائية – من رسائل اعلامية تصل الى افراد لجمهور المتلقي ويدركوها بنفس المضامين والمعاني التي ارادها مصممو تلك الرسائل ، فيفهموها كما نفهمها ، ويصلون منها الى نفس ما نصل اليه من الخلاصات. وانهم يقتنعون بما يقنعنا . لسوء الحظ ، فان الخطاب الاعلامي العربي ياتي دائما ضمن سياق هذا الاعتقاد. والحقيقة ، ان هذا الاعتقاد خاطئ . فقد خلقنا الله شعوبا وقبائل.
مختلفون في اللسان .متفاوتون في الادراك . وتعتبر اللغة مفتاح لاتصال والتواصل .
وبالتالي ، فان اللغة الواحدة تصيح اساسا لتكوين الادراكات المتماثلة التي تقود الى الفهم المشترك . ولهذا ، فان فاعلية الاتصال تاتي من قدرته على الوصول الى تشكيل هذا المستوى من الفهم المشترك بين مرسل الرسالة وبين مستقبلها .
وفي ضوء هذه الرؤية ، فاننا نجد من الضروري طرح السؤال التالي : هل يراعي اعلامنا العربي كل ذلك ؟ واذا كان الجواب على ذلك نعم ، فلماذا هذه المساحة من الراي العام العا لمي الذي لايفهمنا ولايدعم قضايانا ؟ هل لأنه مصر على ان لا يفهمنا كما يدعي البعض ؟ هل لأن لديه اتجاهات ومواقف مسبقة نحونا ؟ وحتى لو كان السؤال الأخير مشروعا ، فمن هو المسؤول عن ذلك؟ ان الاجابة عن هذه المجموعة المتداعية من الأسئلة تتطلب مستوى من الدراسة والتحليل للمنطق الذي يقف وراءه الخطاب الاعلامي العربي والفلسفة التي يستند اليها. ان منطق الاعلام ذي الاتجاه الواحد قد افل نجمه .
فالتاثير في الأخرين واستمالة مواقفهم المؤيدة لا يتم من جانب واحد. فليرى العالم ما يراه مناسبا، اما نحن فان لنا ما نراه مناسبا من المواقف. ويكفينا عدالة القضية . لقد لخص لي شخص اجنبي الموضوع بعبارة واحدة عكست مدى هشاشة عظام اعلامنا العربي . لقد قال لي : سيدي ، ان قضيتكم عادلة ولكنكم تفتقرون الى الأسلوب القادر على ايصالها الى الراي العام . وهكذا تصبح المحنة في الأسلوب (الخطاب) وليس المضمون.
لقد اثبتت نتائج الدراسات والبحوث ان كثيرا من الفهم المشترك بين المجتمعات يعتمد على فهم واستيعاب التقاطعات الثقافية والقيمية بين تلك المجتمعات. فلقد قيل قديما : خاطب القوم بلغتهم .
فهل خاطبت وسائل اعلامنا العربية مجتمعات العالم بلغاته وبالأ سلوب المناسب القادر على توصبل الرسالة واحداث التاثير المطلوب . ان العالم يفهم الأمور بغير الطريقة التي نفهمها نحن بها، وينظر الى القضايا بغير المنظار الذي ننظر اليها من خلاله . ولهذا فان علينا نحن العرب ان نطور خطابنا الاعلامي الموجه الى شعوب الأرض باللغة التي تفهمها حتى نستطيع استمالة الراي العام فيها ليعرف قضايانا ويتفهمها ويتبناها ويدافع عنها . للاسف ، اقول - وباستثناء حالات محدودة – ان خطاب وسائل الاعلام العربي لا يزال هو نفسه الذي الفناه منذ خمسة عقود . والقطاعات التي استطاع ان يصلها من الراي العام ، اما ان تكون عربية تعودت عليه واستمرأت اساليبه وادواته.
او قطاعات من شعوب العالم الأخرى التي تجمعنا واياها قواسم مشتركة استطاعت ان تؤلف قلوبها علينا ونصبح معها بنعمة الله اخوانا.تناصرنا وتهتف شعاراتنا وتؤيد قضايانا . ان تلك القطاعات اما ان تكون من المستضعفين في الأرض مثلنا ، فجمعنا بها الضعف والوهن، اومن تلك الشعوب التي تبين لها ان ما نطالب به هو ما صنعته ووضعته لنا من فلسفات الحرية والديموقراطية فوجدت نفسها محرجة فأيدتنا على استحياء من نفسها .ولسوء حظنا ، فان تلك القطاعات تمتلك من الحناجر والحبال الصوتية ما يكفي لتوصيل الصوت الى اعلى طبقات الجو دون ان تكون قادرة على التأثير على الحالة الجوية نفسها .
ان القطاعات المطلوب من خطابنا الاعلامي العربي الوصول اليها والتي يجب ان يصل اليها هي القادرة على احداث التغيير المطلوب والقوة الفاعلة على الساحة العالمية والتي تصل مواقفها السلبية نحو قضايانا الى حد العداء والأصرار عليه .
واذا كانت مداخل الأقناع المتبعة من قبل وسائل اعلامنا العربي قد قامت على اساس استمالة العاطفة والوجدان . فقد تبين ان عواطفهم لا تستمال بمثل ما تستمال به عواطفنا . فليس كل ما يسرهم يسرنا . كما ان ليس كل ما يحزنهم يحزننا .
فمعايير حكمهم على الأمور تختلف عن معاييرنا لأنها نتاج ثقافات مختلفة افرزت نظم قيم مختلفة عن ما لدينا . ولهذا،فان خطاب اعلامنا العربي لا بد ان ينهج منطقا اخرا يعتمد على مخاطبة العقل والمصالح . فما الذي سيجعل دولة ما تقف الى جانب قضايانا اذا لم يكن لها مصلحة في ذلك ، او كانت مصلحتها يمكن ان تتضرر ان هي لم تتبن قضايانا.
ان العالم لا يحترم الضعفاء ، بل يضع صوته وقوته مع من تربطه به المصالح ، ومع من يمكن ان يصبح بهم اقوى . فاذا كان خطابنا الاعلامي قد استطاع استمالة الضعفاء فهذه هي محنته .
اما اذا اراد ان يصل الى الأقوياء فان عليه ان يبحث عن استراتيجيات الاقناع التي تكفي لبناء راى عام عالمي فاعل ومؤثر . فليكن هذا هو التحدي الذي ينبغي على الاعلام العربي قبوله ومواجهته خلال الفترة القادمة التي تتطلب مواقف الدعم الدولي الحقيقي الفاعل والمؤثر.