facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصوت الداخلي


د. فاطمة النشاش
13-02-2024 02:20 PM

تخيل أنه وفي مكان ما في ذهنك يجلس قاضي، يراقب ما تقوم به، ويدرس كيف تؤديه، ويفحص التأثير الذي تحصل عليه من الآخرين، ويتتبع نجاحاتك وإخفاقاتك، ثم يصدر حكماً في نهاية المطاف.. هذا الحكم، يُلون إحساسك الكامل بذاتك، وهو يحدد مستويات ثقتك وتعاطفك معها، ويضفي عليك فكرة عما إذا كنت من الأشخاص الجديرين بالاهتمام أو العكس، هذا القاضي هو المسؤول عما نسميه احترام الذات لدينا، ولكن حُكمه ليس مستنداً الى أي كتاب أو نظام موضوعي. إذ يمكن لشخصين قاما بفعل نفس الأشياء وخاضا نفس التجارب أن يمتلكا مستويات مختلفة من احترام الذات. يعود الأمر ببساطة الى أن بعض القضاة في داخلنا أكثر استعدادا من غيرهم لتقديم نظرة مزدهرة ودافئة وتقديرية وسخية لذواتنا، بينما يشجعنا قضاةٌ آخرون على أن نكون ناقدين للغاية، ومحبطين في كثير من الأحيان.

ولكن من أين يأتي صوت القاضي في داخلك؟ إن أصل صوت القاضي الداخلي هو تداخل واستيعاب لأصوات الناس الذين كانوا خارجنا ذات يوم، فأنت تسمع صوت الصدق والدفء والحب، أو الاحتقار واللامبالاة عبر سنوات تكوينك ونموك، رأسك يحتوي على مساحات يتردد فيها صدى هذه الأصوات في داخله خلال حياتك. في بعض الأحيان، يكون الصوت إيجابياً محفزاً، ويشجعك على قطع المسافة القليلة الباقية فتقول لنفسك: "أنا تقريبا هناك، استمر، استمر، لم يبق الكثير".

ولكن في كثير من الأحيان يكون الصوت الداخلي ليس لطيفاً على الإطلاق بل غالباً ما يكون انهزامي وعقابي، ومليء بالذعر، فتجد نفسك تقول:" أنا أعرف أن الأمور ستسوء معي، أنا سيء، أنا دائما هكذا أفتقر الى الحظ" بمعنى آخر إن الصوت الداخلي كان في أساسه صوتاً خارجياً قمنا نحن وبلا وعي منا بجعله صوتنا، عندما مررنا بلحظات حاسمة معينة في الماضي سمعنا شخصيات رئيسية في حياتنا (الاب، الأم، الإخوة، الصديق المقرب) وبدت أصواتهم مقنعة، وحقيقية لا تقاوم، ثم كررت هذه الشخصيات رسائلها مراراً وتكراراً حتى تم إدماجها بطريقتنا الخاصة في التفكير سواء للأفضل أو للأسوأ.

لماذا يعد الصوت الداخلي مهماً؟ لأن مستوى حب الذات يترتب على هذا الصوت الداخلي طوال حياتنا. إن كوننا نقسو على أنفسنا، ونتحمل الألم، ونمارس جلد الذات باستمرار لاعتقادنا خطأً أنه استراتيجية مناسبة للبقاء على قيد الحياة ستعمل على حمايتنا من خطر التساهل والرضا عن الذات، إذ إن هناك خطر مساوي إن لم يكن أكبر في الافتقار المستمر إلى التعاطف مع المصاعب، اليأس، والاكتئاب، وقد يؤدي هذا الى حياة شبة مستحيلة لأن أحد المتطلبات الرئيسية للقدرة على قبول الآخرين هو امتلاكنا للمودة والحب اتجاه أنفسنا أولاً.

تغيير الصوت الداخلي قد يكون من المغري في هذه المرحلة أن نقول إنه لا ينبغي لنا أن نحكم على أنفسنا على الإطلاق، يجب أن نوافق ونحب ببساطة، ولكن ينبغي لنا أن نقرر أن الصوت الداخلي الجيد يشبه إلى حد ما (ولا يقل أهمية عن) القاضي العادل حقاً؛ شخص يحتاج إلى أن يكون هناك لفصل الخير عن الشر، والذي يكون دائما رحيماً، عادلاً، دقيقاً في فهم ما يجري ويهتم في مساعدتنا على التعامل مع مشاكلنا. ليس الأمر أنه يجب أن نتوقف عن الحكم على أنفسنا، بل أن نتعلم أن نكون قضاةً أفضل لأنفسنا.

جزء من تحسين الطريقة التي نحكم بها على أنفسنا ينطوي على التعلم (بطريقة واعية ومدروسة) للتحدث إلى أنفسنا بطريقة جديدة ومختلفة، مما يعني تعريض أنفسنا لأصوات أفضل، نحن بحاجة إلى سماع أصوات بنّاءه، وطيبة في كثير من الأحيان وبما فيه الكفاية وحول القضايا الصعبة التي تواجهنا، هذه الاصوات الداخلية تأتي لنشعر وكأنها استجابات طبيعية بحيث أنها في نهاية المطاف تصبح أفكارنا الخاصة.

أحد الطرق التي من الممكن أن تساعد على ذلك هو أن تعمل على تحديد صوت لطيف كنت تعرفه في الماضي وتقوم بإعطائه مجالاً أوسع، ربما جدتك اللطيفة أو عمك الذي كان يقدم لك كلمات التشجيع بشكل مستمر، وعندما لا تسير الأمور كما تريد، يمكنك أن تسأل نفسك ما قد يقوله هذا الشخص، ومن ثم درب نفسك بنشاط على كلمات التشجيع والمديح التي كان سيقدمها على الأرجح. من الطرق الرئيسية الأخرى لتغيير الصوت الداخلي في رأسك هي محاولة أن تصبح صديقاً وهمياً لنفسك.

قد يبدو هذا غريبا بعض الشيء في البداية، لأنك تتخيل بطبيعة الحال صديقا كشخص آخر، وليس كجزء من ذهنك. ولكن هناك قيمة في هذا المفهوم بسبب مدى معرفة كيفية التعامل مع أصدقائنا بتعاطف وحب لا نطبقه على أنفسنا. إذا كان صديقك في ورطة فإنك نادرا ما تقول له أنه فاشل، أو أنه يستحق ما يحصل معه، بل ستحاول طمأنته وإخباره بأنه محبوب، في الصداقة، نحن نعرف كيفية تقديم الحكمة والحب والعزاء التي نرفض تطبيقها على أنفسنا. أولا، الصديق الجيد يحبك إلى حد كبير كما أنت بالفعل، وأي اقتراح يقوم به حول تغيير أي شيء فإنه مبني على خلفية من القبول. فعندما يقترح أنك قد تحاول طريقاً مختلفاً لحل مشكلة ما، فإنه لا يقدم إنذاراً نهائياً أو تهديداً. وهو بالتأكيد لا يقول أن عليك أن تتغير قسراً. الصديق يصر على أنك جيد بما فيه الكفاية، لكنه يريد ان يوحد جهده معك لحل صعوباتك بالشكل الذي سيخلصك منها بأفضل طريقة. ثانيا، الأصدقاء الجيدين أيضاً يركزون باستمرار على نقاط قوتك، من الغريب كيف أنه يمكنك بسهولة أن تغفل عن كل نقاطك القوية عندما تبدأ الصعوبات، الصديق لا يقع في هذا الفخ، بل هو في نهاية الأمر يعترف بالصعوبات لكنه لا يزال متمسكاً بكل المزايا التي تمتلكها، الصديق الجيد رحيم عندما تفشل، وهو متفهم وسخي. وهو يعرف أن الفشل ليس في الواقع شيءٌ نادر، وسيذكرك باستمرار أن الناس يفشلون دائماً (لكنك لا تعرف عن ذلك)، ومن المفارقات الغريبة أننا عادة ما نعرف كيف نكون أصدقاء جيدين للغرباء القريبين مما نعرف كيف نكون لأنفسنا، ويكمن الأمل في حقيقة أننا في الواقع نملك بالفعل مهارات الصداقة ولكننا لم نوجهها بعد إلى الشخص الذي ربما يحتاج إليها أكثر من غيره، أي أنفسنا بالطبع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :