غابات برقش بصورة علمية * د. فاخر العكور
mohammad
25-04-2011 10:06 PM
بداية لا احد يستطيع المزاودة بالوطنية والانتماء الوطني على الجيش العربي وقيادته الهاشمية وما يناط بها من مهام جسام هدفها حماية الاردن والدفاع عن ارضعه وسمائه واهله. واود التاكيد على عظيم حبنا وتعظيمنا واجلالنا للمؤسسة العسكرية الاردنية. والتعبير عن ذلك كان ومنذ الطفولة ومنذ ان كنا نفق على قارعة الطريق وسيارات الكنتنتال للجيش العربي تمر من قريتي ونتجمع كاطفال واقفين بالتحية العسكرية لجنود ابوعبدالله (رحمه الله واسكنه فسيح جنانه) وعندما حانت لحظة الخدمة العسكرية لبَينا وكنا مع شباب الوطن في الخدمة العسكرية وبكل شرف انهيناها.
هذه المقدمة سيقَت لبَسط فِراش للحديث عن موضوع حيوي يؤرقنا حول إقامة الكلية العسكرية في منطقة برقش، وهنا لا اتهم المؤسسة العسكرية بسوء الاختيار بقدر ما اتهم من صوروا للمؤسسة العسكرية جواز ذلك من الناحية البيئية ولم يتم توضيح الاثار البيئية المترتبة على ازالة مجموعة كبيرة من الاشجار من الغابات الموجودة في منطقة برقش والتي ساطرحها من الناحية العلمية البحتة كنوع من تبرئة الحال والضمير امام الله والوطن والمليك المفدى حفظه الله ورعاه.
كنا من المناصرين لعدم انشاء المشروع السياحي لشركة دبي كبيتال في منطقة دبين ولنفس الاسباب البيئية التي نطرحها رغم وجود البدائل المتعددة وبنفس المنطقة حتى لا نتهم باننا ضد المشاريع الاستثمارية في جرش او في عجلون او في اي بقطعة من بقاع هذه الارض الطيبة وكان الطرح للتوجه للمناطق غير المزروعة وهي كثيرة والحمدلله. في جميع دول العالم يحضر ازالة اية شجرة مهما كان موقعها الا للضرورات القصوى شريطة عدم التاثير على المنظومة البيئية فما بالك بغابة تتمتع بخاصية انها الشريط الاخير والمتبقي في العالم وفي خاصرة حوض البحر الابيض المتوسط في الاردن الذي نعشق. فنحن مع الاستثمار وتوفير فرص عمل لاخواننا وابنائنا في كل شبر اردني ولكن ليس على حساب ال 1% من الغطاء الاخضر الذي يزين هامات الاردن العالية دوما.
احتفل العالم هذا العام بالسنة الدولية للغابات وتمت دعوتي في بداية الشهر الماضي لمدينة برقص الاسبانية لحضور فعاليات الملتقى العالمي للغابات النموذجية وكم اذهلني ما رايت من مشاريع عالمية تختص بالغابة النموذجية والتي ويا للاسف تغيبت الاردن عن حتى المشاركة فيه وادهشني حجم الوعي والاهتمام الموجودين في المملكة المغربية والجمهورية التونسية وحجم الاستفادة المجتمعية التي تحصلت من دعم عالمي لمشاريعهم الغابوية وفرص العمل والدخول التي تحصلت للمجتمع المحلي من الغابة النموذجية والذين اصبحوا حراسا للغابة بدلا من قطاع لاشجارها. ومن هنا ابدا بالقول اولا للمجتمع المحلي انتم المستهدفون اولا واخرا من مشاريع التنمية ولكن ما هي هذه المشاريع؟ ما اراه هو البحث عن الاسهل والاسرع ولا يخلوا الامر من مصالح شخصية لبعض المتنفذين واصحاب الاراضي الاقطاعيين منهم وليس صغار الملاك.
ولمن لا يعرف برقش، تقع غابات برقش في الجزء الجنوبي الشرقي من لواء الكورة والجزء الجنوبي الغربي للواء المزار الشمالي وإلى الجنوب من محمية برقش للأحياء البرية ، وتضم هذه الغابات أشجارا حرجية حوالي مليوني شجرة قديمة من السنديان والبلوط والبطم والزعرور، ولهذه الغابات مزايا بيئية وسياحية عدة اولها يتمثل في وجود قمة لهذه الغابة (رأس برقش) الذي يرتفع حوالي (875) متراً فوق مستوى سطح البحر، والتي تشرف على شمال الأردن وسهول حوران وجبل الشيخ وجبل الكرمل وغور بيسان ولواء حنين في فلسطين.
اما الاثار البيئية المتحصلة من وراء ازلة الاشجار من غابة برقش فتتلخص بما يلي:
- لقد تم تقدير القيمة النقدية للشجرة الواحدة لمثل الانواع النباتية الموجودة في غابة برقش وبظروفها وحيويتها وعمرها وخاصيتها الوجودية بما يعادل الالف دينار اردني، يتم دفعه لكل شجرة بحالة زراعتها ببيئة جديدة مثلا واكتساب التكاملية البيئية الموجودة حاليا في نفس المكان لحين وصولها لهذا المستوى من خصائص طبيعية وبيئية.
فكم شجرة ستزال؟ وكم كائن حي سنفقد؟ وكم سنفقد من فلاتر طبيعية؟ وكم سنخسر من كوتا الكربون العالمي؟
- تعتبر النظم البيئية منظومة حيوية متكاملة تتصل اطرافها بوسها وبآخرها اتصالا بصريا من ناحية المنظر الطبيعي كوحدة واحدة يعمقها الاتصال الجيني الذي يغذي بعضه البعض بالاصول الجينية لبعض الاصناف من الكائنات الحية الدقيقة والكبيرة منها التي يكون لها دور حيوي في تنشيط التفاعلات الحيوية لمستويات الطاقة في الغابة والتي عادة ما يتم توفير بيئات خاصة لتكاثرها قد لا تتوافر في المكان الذي تتواجد فيه في مرحلة النضج الفسيولوجي وهنا اعني وسط الغابة، وبالتالي يتم رحيلها الى اطراف الغابة نظرا لتوفر الظروف البيئية المناسبة لاحداث عمليات التكاثر والتزاوج الجنسي لها وتوفير الحواضن الطبيعية لبيوضها او لافراخها لحين تجاوز مرحلة الغضاضة العمرية وعند التقدم بالعمر ووصولها لمرحلة النضج الفسيولوجي تنتقل الى البيئة الخصبة لها في وسط الغابة والتي تتفاعل حركاتها وحيويتها مع هذا الوسط والذي يعمل بعضها كملقحات او نواقل للتلقيح للانواع النباتية المختلفة في الغابة على مستوياتها النباتية الثلاث (الاشجار والشجيرات والنباتات الارضية) والتي هي نفسها تعتبر مصادر غذاء وبيئات حضن لهذا الانواع من الكائنات الحية، والعكس صحيح حيث وجد ان بعض البيئات المناسبة لما سبق يكون في وسط الغابة. وهنا بحالة تغيير مكونات هذه المنظومة الطبيعية فان تدهور الغابات حاصل لا محالة، اي هنا لا يقتصر التحليل العلمي على قيم هذه الاشجار التاريخية والبيئية المتعلقة بتحسين نوعية البيئة والتقليل من الاحتباس الحراري فقط.
وهنا فان التاثير البيئي سيكون ونتيجة الازعاج الحاصل على البيئة نتيجة تغيير معالم سطح الارض في العابة سيفقد هذا التواصل الجيني وبالتلي ومع مرور الزمن ستفقد الاشجار الكائنات الحية الفاعلة باحداث التكاثر وبالتالي الاخلال بالتوزن البيئي الحيوي في الموقع.
- على مستوى الطاقة وعلاقتها بالانواع الحيوية الموجودة، فانه عادة ما يتم تقسيم الغابة الى ثلاث مستويات تبدا من الاعلى بطبقة الاشجار المرتفعة والتي لها خصائص التاقلم مع الضوء الواصل لها بكامل طيفه الضوئي والى الطبقة الوسطى (الشجيرات) والتي تاقلمت على نوع نختلف من الضوء الواصل اليها نتيجة انعكاس الضوء من الطبقة الاولى، او من حجب جزء منه باوراق الطبقة الاولى وبالتالي تقليل حجم حزمة الضوء الساقطة على هذا المستوى، والطبقة السفلى او الثالثة والتي تختص بالنباتات ذات القدرة على تحمل غياب الضوء المباشر (نباتات ظل).
ونتيجة لازالة جزء من الغابة فان الاجزاء التي كانت بالاصل ظليلة تتكشف وتتغير مستويات الطاقة فيها مما يؤدي حتما الى هجرة هذه الانواع واندثار بعضها الآخر وبالتالي تدمير الغابة نهائيا.
- وبنفس المضمون فان النظم الحيوية تنقسم الى ما يسمى بالرقعة (Patch) وهي المساحة من الارض ذات الخصائص الحيوية والبيئية المتشايهه دون تقطيع باتصالها والى ما يسمى بالحواف (Edge) والتي غالبا ما تكون خليط من الانواع الحيوية والبيئات والتي عادة ما تكون غنية بالاصول الحيوية والجينية للرقع النقية سابقة الذكر، وقد يفصلها ممرات (Corridor) ولا تعمل هذه الممرات على العزل بين ما هو موجود على يمينها وما هو موجود على يسارها لانها من نفس التركيبة الطبيعية الموجودة في الغابة (ترابية او مائية).
ما يحصل بحالة العمران او حتى مجرد فتح طرق معبدة ان تفقد هذه المنظومة تواصلها وقد تتحول الحواف الى مناطق فقيرة وتتدهور خصائصها وتتصحر واما الرقع فانها قد تتحول مع الزمن الى حواف جديدة تفاعلها بانواع جديدة من الكائنات الحية التي لا تعتبر من مكونات الحلقة البيولوجية الطبيعية الاصلية فتتغير معالم النظام الحيوي السائد ويتغير فتفقد البيئة مكوناتها وتتدهور ثم تتصحر.
ساكتفي بهذا القدر ومسعاي الفائدة والتذكير ونقل حقيقة قد تكون غابت عن اذهان من اجازوا المشروع ومن بحكم موقعهم التشريعي صادقوا عليه وفي الجعبة الكثير ولكن بهذا القدر اكتفي وكلي حب لارض بلادي ومليكي الغالي ولاهله الاشاوس الذي يقبلون النصيحة ولا يغفلون الراي العلمي الصريح الذي لا يحابي على حساب الوطن والمصلحة العامة والذي ارجو الله ان يكون هذا التحليل لاجلة وليس لمصلحة شخصية او لدرء منفعة عن اخوتي بالوطن ممن يعتقدون انهم مستفيدون ولكن اقول ان الوطن هة الخاسر في النهاية.
حمى الله الاردن وارضه وسماؤه وجيشه الباسل ومواطنيه المغاوير والطيبون في ظل الحضرة الهاشمية وعميدها جلالة الملك المفدى عبدالله الثاني حفظة الله ورعاه وسدد على طريق خير الاردن خطاه.
والله والوطن والمليك ونحن من وراء القصد