أزمة العرب .. الداء والدواء * د. عدنان عواد
09-06-2011 05:27 PM
إن نظرة فاحصة لصاحب لب وناظر بعين العقل للأزمة السياسية التي اجتاحت معظم أقطار العالم العربي هذه الأيام يدرك داء هذه الأمة العضال ومصيبتها الكبرى دون الحاجة إلى تصوير طبقي أو رنين مغناطيسي ولا حتى صور شعاعية فهذا الداء الذي استشرى في الأمة عبر سنوات خلت أذاب شحمها وأكل لحمها وكسر عظمها هو أنها عرفت أمر الله وجوهر دعوته في دستور الهي كامل متكامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبعد أن عرفوا انحرفوا وابتعدوا كثيراً عن الصواب وأصبحوا عبيداً للهوى والشهوة والشهرة واعرضوا أيما إعراض، والله تعالى يقول " وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ".
وإن المصيبة الكبرى والسبب الرئيس في انتشار هذا الوباء القاتل الفتاك هو أن معظم القادة والسادة والحكام والسلاطين من العرب الذين تولوا قيادة هذه الأمة ولم يدركوا أو لربما تناسوا أن قيادة الشعوب مسؤولية عظيمة وأمر جلل وابتلاء وأن ومن لم يأخذها بحقها كانت له يوم القيامة خزي وندامة هذا إن كان بعضهم بل أكثرهم يفكر ولو لحظة واحدة بآخرتهم قبل دنياهم التي أغرقتهم وأغرقت معهم شعوبهم الذين هبوا بعد صبر طويل في ربيع هذا العام حتى أصبح الربيع صيفاً حارقاً ولهباً وشظايا ودماء جعلت الحكام محكومين وليسوا حكاماً يهربون ولا يستطيعون أن يقابلوا أحرار شعوبهم لأنهم قصروا بحقهم وبحق الأجيال القادمة وبحق التاريخ العربي الذي نشفق على أنفسنا نحن أبناء هذا اليوم عندما نفكر كيف و ماذا سيقرأ أبناؤنا وأحفادنا عن هذا الزمان الذي كثر شره وقل خيره.
أين هؤلاء الحكام من عمر الفاروق رضي الله عنه وهو يقول للرعية " لقد ابتلاني الله بكم وابتلاكم بي، فإذا أحسنت فأعينوني وأن أسأت فقوموني " أين هم من أولئك الذين كانوا يقولون للرعية لا خير فيكم أن لم تقولوها ولا خير فينا أن لم نسمعها ذلك لأنهم يريدون الإصلاح الحقيقي ويريدون سعادة شعوبهم وقبل ذلك رضي الله عز وجل في الدنيا والآخرة لقاء عدلهم وإنصافهم.
أين هم من عمر بن الخطاب رضي الله وهو يخاطب أمعاءه وهي تقرقر قائلاً: " قرقري أو لا تقرقري والله لا تذوقي طعاماً حتى يشبع فقراء المسلمين " أين انتم أيها الحكام ممن يبحثون عن الخبز والحرية والعدالة في عالمنا العربي الواسع.
لقد أصبحت رعايا العرب تخجل من سوء فعل حكامها فهل يعقل أن يقتل الحاكم أبناء شعبه كي يقال له أنت الزعيم أنت الرئيس ولكن لن يقول بعد اليوم أحد " يعيش مثل هذا الرئيس "، بل يسقط كل من هو على شاكلة هؤلاء الذين باعوا الأمة بأبخس الأثمان.
إن الاستئثار بالسلطة وعشق الكراسي والتعلق بها بل والقتال من أجلها وأعظم من ذلك أن يقتل السلطان شعبه من أجل تلك المناصب الخاوية التي أصبحت طريقاً إلى الهاوية هي وأهلها وهي المصيبة الكبرى التي يشيب لها الولدان لقد أصبح شعار هؤلاء الحكام والعياذ بالله " لو فني الجميع وبقيت الكرسي فتلك غاية المنى ".
إن ما نراه من مصائب وذل وعار وجوع وفقر وتخلف في بعض دول عالمنا العربي سببه الرئيس أن هؤلاء الرؤساء على استعداد أن يطيعوا قادة الشر في هذا العالم من الأمريكان والصهاينة الذين لا يرعون في المسلمين الاً ولا ذمة، بل هم على استعداد أن يلبوا كل رغباتهم مقابل أن يدعموا وجودهم وبقاءهم على تلك الكراسي البالية الخاوية، ولكن إذا وقعت الواقعة تخلوا عنهم وكأنهم لا يعرفونهم.
أيها الزعماء تعرفوا إلى الله في رخائكم يعرفكم الله ويعينكم في شدتكم وتذكروا أن كل قطرة دم تراق في عالمنا العربي في هذه الأيام هي في رقاب أولئك الذين أجرموا في حق شعوبهم وأبناء جلدتهم من المسلمين والعرب الأبرياء.
لقد آن الأوان لكم أيها السادة أيها القادة أن تصحوا من غفلتكم وتتذكروا أوامر الله وأن الله إذ استخلفكم في أمر هذه الأمة فإنما ابتلاكم فإن أحسنتم فلأنفسكم وإن أسأتم فعليها مصداقاً لحديث رسول الله عليه السلام " أيما امرئ ولي أمر عشرة فإما عدله يفكه وإما جوره يوبقه يوم القيامة "
فتذكروا يوم لا ينفع مال ولا بنون، وتذكروا يوماً يجعل الولدان شيبا. والاّ فقد خسرتم الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
إن الدواء الناجع لهذه المصائب الكبرى هو الرجوع إلى منهج الله إلى شرع الله وأن تتذكروا قول الله عز وجل " إن الله كان عليكمً رقيباً " ولن يكون هناك صلاح ولا إصلاح حقيقي إلا إذا كانت الرقابة ذاتية على كل نفس بدافع ووحي من ضمير حي نقي متعلق مع الله فلا تستطيع أي دولة في العالم أن تضع رقيباً على كل مواطن وكل عامل في تلك الدولة.
إن الحاكم يجب أن يكون قدوة وأسوة ومثالاً يحتذى به في الأمانة والنزاهة والمراقبة والصدق والقول والعمل والتضحية من أجل الوطن وإن لم يكن كذلك فإن وجوده ضرر بالأمة كل الأمة
إنني أجزم بأن هؤلاء الحكام الذين ذبحوا شعوبهم ذبح الشياه لم يتذكروا يوماً ولا حتى ساعة من زمان أوامر الله أو الدار الآخرة وأن لو تذكروا لرجعوا إلى رشدهم وإلى عقولهم وصوابهم، هذه دعوة صادقة للجميع حكاماً ومحكومين أن يتقوا الله في الأوطان والشعوب وأمنها وأمانها والله المستعان.