"تمثلات الجمال بين الذات والعالم في نص (أشياء جميلة)"
د. مي بكليزي
23-02-2025 11:01 PM
أشياء جميلة
1
جميلٌ أن يكونَ لديكَ أوراقٌ بيضاءُ وقلم... والأجملُ أن توسِّدَ فوقَ البياضِ أسرارَ الماءِ وهشاشة الزبدْ...
2
جميلٌ أن يكونَ لظلّكَ امتدادٌ، وجميلٌ أن ترى طفولتكَ ترتعُ في حقولِ ناظريكَ، كأنَّ الطفولةَ لمْ تغادرْكَ، وكأنّكَ أنتَ من صاغَ القصيدةَ على نارِ وجدِكَ، وكأنّكَ... كأنّكَ لا أحدْ.
3
جميلٌ أن يجيءَ الصَّباحُ وعلى راحتيهِ فنجانُ قهوةٍ في إطارٍ من اخضرارِ الندى، وجهاً جميلاً يرشُ ابتسامتَهُ في فضائك عطراً، فتسافرُ في المدى، ترتدي قميصَ فرحٍ، وتمضي رغمَ ضجيجِ الشوارعِ ودخانِ الحافلاتْ...
4
جميلٌ أنْ يجيءَ المطرُ ولو متأخراً كعادتهِ بعدَ طقوسِ جفافٍ وقد ضيّعتِ اليدانِ أسرارَ الماءْ... جميلٌ أنْ يجيءَ المطرُ ولكن في النهارِ، لأنَّ مطرَ الليلِ يزيدُ وحشةً الليلِ وحشةً...
5
جميلٌ أن ترى قامةَ ابنكَ تمتدُّ نحو الأعالي كنباتِ اللبلابِ تبحثُ عن وجهِ الشمسِ، وجميلٌ أن ترى زغباً على أديمِ الوجهِ يُنبئُ بأن الحياةَ مستمرةٌ كنهر يجري، وعلى ضفافِهِ تنمو كائناتٌ جميلة...
6
جميلٌ أن تفاجئَكَ الحياةُ ذاتَ وقتٍ، تخبرُكَ بأنَّهُ ما زالتْ لديكَ بعضُ الرغباتِ يمكنُها أن تعطي متعاً ولو صغيرةً: لفافةَ تبغٍ، فنجانَ قهوةٍ، تأمّل وجه جميل، وقصيدةً تغارُ من نقائِها فتُعيدُ قراءتها كيداً بجمالها مرةً تلو مرةٍ...
والأجملُ حوارٌ حول هذه المتعِ مع شريكٍ يرى ذلكَ الجمالَ الذي رأيتَ... رائعةٌ هذه المتعُ التي تدفعُكَ لتصحو بعدَ أن تنامْ أو تجيءَ قبلَ نومكَ الأخيرْ...
7
جميلٌ أن يستمرَ المدادُ في القلمْ، وجميلٌ أن تحاورَ الألمْ، وأن تلوِّنَ البياضَ وتلامسَ القممْ، وجميلٌ أن تعاقرَ حلماً لتقتلَ السأمْ...
---
العتبة
أشياء جميلة... ليست شيئًا واحدًا، بل هي أشياء كثيرة، وقد جاءت نكرة لتدل على العموم والكثرة. وقد وصفها بالجميلة، وهو وصف انطباعي نابع من حساسية الشعر وإحساسه تجاه ما حوله.
وقد تفرعت عن العتبة الأولى سبع عتبات متماثلة تتصدر مطلع المقاطع التي عبر عنها بـ "جميل"؛ ليسرد بعدها حكاية العشق والجمال، النابعة من عينه التي تريد أن ترى الجمال ولا تخطئه.
الإصرار على الجمال في الأشياء نابع من الجمال المتوطن في نفس الشاعر، وكما قيل: "كن جميلاً ترى الوجود جميلاً"، وقيل أيضاً: "كل يرى الناس بعين طبعه".
الجمالات السبعة
عديدةٌ تلك الأشياء التي اختارها الشاعر لترسم معنى وملامح الجمال في حياته، بدأها من القلم والصفحة البيضاء وأنهاها بها كذلك:
> "جميلٌ أن يكونَ لديكَ أوراقٌ بيضاءُ وقلم، والأجملُ أن توسِّدَ فوقَ البياضِ أسرارَ الماءِ وهشاشة الزبد."
وختمها قائلاً:
> "جميلٌ أن يستمرَ المدادُ في القلمْ، وجميلٌ أن تحاورَ الألمْ، وأن تلوِّنَ البياضَ وتلامسَ القممْ..."
ما بين دفتي قلمه وسطوره البيضاء، مساحات من الجمال وأروقة فسيحة من الحياة، يبدؤها من الطفولة التي يتمنى أن لا تغادره رغم مرور السنين، مرورًا بالقهوة المتربعة على عرش جماله، يستعيد نشوته التي قطعتها عليه مشاغل الحياة، فيعقد هدنة مع ضجيج الحياة وقسوتها، فهو في استمتاع "رغمَ ضجيجِ الشوارعِ ودخانِ الحافلاتْ" بأشياء بسيطة ليست مترفة، يختار أن يستمتع بالجمال.
استطاع بروحه الطفولية وقبل كل شيء أن يرى الجمال، وهذه عادة وديدن الإنسان المتصالح مع نفسه. يرى في ابنه امتدادًا لهذا الجمال المكتنز في نفسه، فهو يطاول السماء تمامًا كنبات اللبلاب اليانع خضرته، الذي كان يُقدَّم للعريس والعروس كرمز للحياة الأبدية والإخلاص. في ابنه خلوده وذكره حتى بعد حين.
البياض
> "والأجملُ أن توسِّدَ فوقَ البياضِ أسرارَ الماءِ وهشاشة الزبدْ..."
فهو يمارس عادة الفرح التي انتهجها ليملأ بياضه بألوان الفرح، وأسرار الماء الذي فقدته يداه ذات ضياع من انقطاع الغوث من السماء، وهشاشة الزبد الذي شكلته أمواج حياته المتلاطمة.
خلاصة
هذا قلمك وهذه السطور البيضاء، فاكتب عليها ما تشاء... كأنه يريد أن يقول: حياتك صفحات بيضاء، وهذا القلم ملكك، فاملأ صفحاتك بما تشاء. هذا البياض المستطير املأه فرحًا، فلا يهم ضجيج الحياة فيه، فهو يعاقر الحلم تمامًا كما يُعاقر الخمر، يعيشه في نشوة الفرح وانتظار تحقيقه.
ومن الممكن، والممكن جدًا، رسم لوحة الفرح والجمال من أبسط الأشياء...