facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




القيادة والإدارة المدعومة بالذكاء الاصطناعي


د. صالح سليم الحموري
04-01-2026 10:29 AM

لم تعد القيادة والإدارة في المؤسسات مجرد فن يعتمد على الحدس والخبرة الشخصية وحدهما، بل أصبحت اليوم مجالًا يتقاطع فيه القرار الإنساني مع قدرات تحليلية هائلة يقدمها الذكاء الاصطناعي. ومن هنا ظهر مفهوم “القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي” بوصفه نموذجًا حديثًا يساعد القادة على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، ورفع كفاءة الأداء، وبناء ثقافة تنظيمية أكثر مرونة واستجابة للتغيير.

تعني القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن يستخدم القائد أدوات ذكية لتجميع البيانات، وتحليلها، وتوقع الاتجاهات، ثم توظيف النتائج في التخطيط وتحديد الأولويات. فالذكاء الاصطناعي قادر على قراءة كميات ضخمة من المعلومات لا يستطيع الإنسان معالجتها بالسرعة نفسها، مثل مؤشرات السوق وسلوك المتعاملين وأداء الموظفين والمخاطر التشغيلية. وبدل أن يغرق القائد في التفاصيل، تمنحه هذه الأدوات “لوحة قيادة” واضحة تساعده على رؤية الصورة الأكبر واتخاذ القرار بناءً على أدلة لا على انطباعات.

ومن أبرز مزايا هذا النموذج أنه يرفع جودة القرار ويقلل من الأخطاء الناتجة عن التحيزات البشرية. فعندما يعتمد القائد على تحليلات موضوعية، يصبح أكثر قدرة على تقييم الخيارات المختلفة، ومقارنة السيناريوهات، واختيار البديل الأكثر جدوى. كما يتيح الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها، ووضع سيناريوهات لاستشراف المستقبل، مثل توقع انخفاض او ارتفاع عدد السياح او أي خدمات أخرى، مما يمنح القائد فرصة للتدخل المبكر وتعديل المسار.

لكن، ورغم هذه الفوائد، تبقى "القيادة إنسانية" في جوهرها. فالذكاء الاصطناعي لا يفهم السياق العاطفي، ولا يلتقط التفاصيل الثقافية الدقيقة، ولا يبني الثقة داخل الفرق. لذلك فإن دور القائد لا يُستبدل، بل يتطور. يصبح القائد مسؤولًا عن طرح الأسئلة الصحيحة، وتفسير النتائج بحكمة، وموازنة الأرقام مع القيم، واتخاذ القرار النهائي بروح المسؤولية. وهنا تبرز أهمية “الذكاء الإنساني” مثل التعاطف، والقدرة على الإلهام، وإدارة الصراعات، وهي مهارات لا يمكن استنساخها تقنيًا.

ولإنجاح هذا التحول، تحتاج المؤسسات إلى الاستثمار في الثقافة قبل الأدوات: نشر الوعي بأساسيات البيانات، تدريب القادة على فهم مخرجات النماذج الذكية، ووضع سياسات، واضحة للأخلاقيات، والخصوصية. كما يجب التأكد من شفافية الأنظمة وتقليل مخاطر التحيز في البيانات، لأن قرارًا ذكيًا مبنيًا على بيانات منحازة قد يقود إلى نتائج غير عادلة أو مضرة.

في النهاية، القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ليست “قيادة آلية”، بل شراكة بين عقل بشري يحدد "الهدف والمعنى"، وتقنية ذكية تساعد على الوصول إلى قرارات أفضل. القائد الناجح في هذا العصر هو من يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي كرافعة للوضوح والكفاءة، دون أن يفقد البوصلة الإنسانية التي تمنح القيادة قيمتها الحقيقية.

يمكن تخيّل الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة كفريقٍ من “وكلاء افتراضيين”: واحدٌ يرصد الاتجاهات، وآخر يلخّص التقارير، وثالثٌ يحاكي السيناريوهات، ورابعٌ ينبه للمخاطر. وجود هؤلاء لا يلغي الفريق البشري، بل يضاعف قدرته ويحرّر وقته لما هو أهم: للرؤية، وللتواصل مع الناس، ولترتيب الأولويات، ولتحمّل المسؤولية. فالقائد في النهاية لا يُقاس بقدرته على إنتاج إجابة سريعة، بل بقدرته على اتخاذ قرارٍ عادلٍ ومفهومٍ ومقبول، ثم الوقوف خلفه بثبات.

وقبل أن يوقّع القائد قراره، عليه أن يسأل: لماذا؟ وعلى حساب من؟ وبأي قيم؟ وفي أي سياق؟ استعن بالتقنية… لكن لا تُوكّلها عقلك. خَلِّ عقلك برأسك، وافهم أين مصلحتك ومصلحة مؤسستك وناسها.

هكذا تبدو القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في صورتها الأذكى: شراكة واعية ترفع جودة القرار، دون أن تنقل ضميره ومسؤوليته إلى آلة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :