facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إدارة الأزمات تبدأ من التعليم: كيف تبني المدارس مجتمعات أكثر صمودًا


لانا ارناؤوط
04-01-2026 11:14 AM

لم تعد التربية في عالم اليوم عملية محصورة في نقل المعرفة أو رفع التحصيل الأكاديمي، بل أصبحت فعلًا إنسانيًا عميقًا يتجاوز الكتاب والصف ليصل إلى تشكيل الوعي وبناء الشخصية في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتداخل فيه الثقافات وتتقلص فيه المسافات بفعل التكنولوجيا، بات السؤال التربوي الأهم هو كيف نُعد إنسانًا قادرًا على العيش مع الاختلاف لا في صراع معه الوعي الثقافي يقدَّم اليوم في الأدبيات التربوية بوصفه أحد أهم المداخل لبناء هذا الإنسان، لا كمعرفة سطحية بالعادات والتقاليد، بل كقدرة على الفهم والتأمل واحترام الآخر وبناء علاقات قائمة على التعاطف والمسؤولية الاجتماعية.

يلعب الوعي الثقافي دورًا محوريًا في تعزيز القيم الإنسانية مثل التسامح والتعاطف والوعي الاجتماعي، وأنه يشكّل أداة انعكاسية تساعد المتعلم على فهم ذاته أولًا ثم فهم الآخر ضمن مجتمع متعدد الخلفيات هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة حين ننقله إلى السياق الأردني، حيث يقوم المجتمع على تنوع غني في الأصول والبيئات الاجتماعية وأنماط العيش، وهو تنوع لطالما كان مصدر قوة لكنه قد يتحول إلى توتر صامت إذا لم يُدار تربويًا بوعي ومسؤولية.

في الأردن لا تعكس المدرسة فقط منظومة تعليمية، بل تمثل مساحة اجتماعية جامعة تلتقي فيها أنماط مختلفة من التفكير والخلفيات والتجارب من هنا تصبح المدرسة بيئة حاسمة في ترسيخ ثقافة العيش المشترك، ويغدو الوعي الثقافي جزءًا من الأمن التربوي والاجتماعي معًا حين يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الاختلاف ليس تهديدًا، وأن التنوع لا يلغي الانتماء بل يعمقه، فإننا نضع أساسًا متينًا لمجتمع أكثر تماسكًا وأقل قابلية للصدام.

أن الوعي الثقافي لا يُبنى عبر الدروس النظرية أو الشعارات العامة، بل من خلال دمجه في الممارسات التعليمية اليومية حين تعكس المناهج والأنشطة الصفية واقع المجتمع الحقيقي، ويشعر الطالب أن قصته ولهجته وتجربته ممثلة داخل الصف، يتشكل لديه إحساس بالانتماء والاعتراف هذا الاعتراف هو الخطوة الأولى نحو احترام الآخر، لأن من يشعر بقيمته يكون أقدر على رؤية قيمة المختلف عنه.

كما أن أساليب التعليم القائمة على الحوار والمشاركة تفتح المجال أمام الطلبة للتعبير عن آرائهم دون خوف، وتدربهم عمليًا على الاستماع وتقبّل التعدد في وجهات النظر الحوار داخل الصف ليس أداة تعليمية فحسب، بل ممارسة ثقافية تُكسب الطالب مهارة إدارة الخلاف بوعي واحترام في المقابل، تظل الأنشطة اللامنهجية مساحة حيوية لترجمة القيم إلى سلوك، حيث تسهم الفنون والعمل التطوعي والمسرح المدرسي في بناء وعي جمعي يشعر فيه الطالب أنه جزء من نسيج اجتماعي أوسع.

غير أن أي حديث عن الوعي الثقافي في المدرسة يظل ناقصًا ما لم يترافق مع تمكين حقيقي للمعلم فهو الفاعل الأساسي في تحويل المفاهيم إلى واقع، فهو النموذج اليومي الذي يراقبه الطلبة ويتأثرون به أكثر مما يتأثرون بالنصوص تمكين المعلم لا يعني فقط تدريبه مهنيًا، بل منحه الأدوات النفسية والمعرفية لإدارة الصف المتنوع، وتعزيز قدرته على الحوار، وحل النزاعات الصغيرة قبل أن تتحول إلى أنماط إقصاء أو تنمّر المعلم المُمكَّن قادر على تحويل موقف عابر إلى درس قيمي، وعلى غرس احترام الاختلاف من خلال سلوكه قبل كلماته.

وحين تنجح المدرسة في أداء هذا الدور، لا يبقى أثرها محصورًا داخل أسوارها الطالب الذي يكتسب وعيًا ثقافيًا حقيقيًا ينقل هذا الوعي إلى بيته وشارعه ومجتمعه، ويصبح عنصر تهدئة وبناء بدل أن يكون جزءًا من حالة استقطاب أو توتر بهذا المعنى فإن الاستثمار في الوعي الثقافي داخل المدرسة هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار الاجتماعي والوقاية من الأزمات، وهو أحد أشكال إدارة المخاطر المجتمعية التي تبدأ من التربية ولا تنتهي عندها.

أن بناء الإنسان في القرن الحادي والعشرين لا يكتمل دون بناء وعيه الثقافي، وأن المجتمعات المتنوعة لا تحمي نفسها بالقوانين وحدها، بل بالتربية الواعية التي تُنتج أفرادًا قادرين على العيش المشترك بكرامة واحترام ، في الأردن حيث التنوع حقيقة يومية لا شعارًا، يصبح تبني هذا النهج التربوي خيارًا وطنيًا، يبدأ من المدرسة، ويمر عبر تمكين المعلم، ليصل إلى مجتمع أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على تحويل اختلافه إلى مصدر قوة لا سبب انقسام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :