قانون الضمان .. بين نية الإصلاح واحتمال الارتداد
محمد مطلب المجالي
24-02-2026 09:49 AM
ما زال حديث الناس لا ينقطع عن قانون الضمان الاجتماعي، لأنه لا يمسّ بندًا إداريًا عابرًا، بل يطال لقمة العيش ومستقبل الأسرة واستقرار المجتمع. والسؤال الذي يتردّد في الشارع:
ماذا لو سُنّ هذا القانون وجاء بنتائج عكس ما أُعلن عنه؟ فأين ستكون النهاية؟.
القوانين الكبرى لا تُقاس بنيّاتها بل بنتائجها، ولا تُوزن بالشعارات بل بما تتركه في جيوب الناس ونفوسهم. فإذا جاء القانون ليحمي العامل ويؤمّن شيخوخته، ثم انتهى إلى إثقال كاهله بالاقتطاعات، وإرباك سوق العمل، والتضييق على فرص التشغيل، فإننا لا نكون أمام إصلاح بل أمام عبء جديد يُضاف إلى أعباء المعيشة.
وفي العرف القانوني، يُمنح المحكوم بالإعدام حقّ الطلب الأخير قبل تنفيذ الحكم. واليوم يشعر المواطن وكأنه يقف في موقع مشابه، لا لأنه ارتكب جرمًا، بل لأنه يخشى تشريعًا قد يجرّه إلى البلاء بدل أن ينقذه منه. فكان طلبه الأخير قبل أن يُكتب القرار بصيغته النهائية: إلغاء هذا القانون أو مراجعته جذريًا، قبل أن يتحوّل من تشريع للحماية إلى حكم اقتصادي قاسٍ على الناس.
ويزداد القلق حين يرى كثيرون في هذا القانون خطرًا لا يقلّ، بل ربما يفوق، ما شهدناه في قوانين الخصخصة غير المأسوف عليها، تلك التي قُدّمت يومًا بوصفها بابًا للإصلاح، فإذا بنا بعد سنوات نعيش آثارها الاقتصادية والاجتماعية القاسية حتى اليوم. وكما غُيّبت آنذاك أصوات التحذير باسم التحديث، يُخشى اليوم أن يتكرر المشهد ذاته، ولكن هذه المرة في ملف يمسّ الإنسان مباشرة لا ممتلكات الدولة فقط.
إن جوهر الإشكال ليس في وجود قانون، بل في غياب الطمأنة حول عدالته وشفافيته وسلامة تطبيقه. فالناس لا تخشى التنظيم، لكنها تخشى الغموض، ولا ترفض الإصلاح، لكنها ترفض أن تكون حقل تجارب. وإذا ثبت أن القانون جرّ إلى نتائج عكس المتوقّع، وأصاب التشغيل في مقتل، وأضعف قدرة المؤسسات على الاستمرار، فسنكون أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية جسيمة، لأن القوانين حين تخطئ لا تدفع الثمن أوراقها بل البشر.
إن أخطر ما قد يصيب أي تشريع اجتماعي أن يتحوّل من مظلة أمان إلى عبء معيشي، ومن ضمان إلى تهديد صامت. وحين يشعر المواطن أن القانون ما حقّه بل قاتله، فإن الثقة بينه وبين الدولة تتآكل، وهذه خسارة لا تعوّضها بيانات ولا أرقام.
لسنا ضد قانون الضمان، ولسنا مع تعطيل الإصلاح، لكننا مع قانون واضح لا ملتبس، وعادل لا انتقائي، وواقعي لا نظري، يُقنع الناس قبل أن يُلزمهم.
فالقانون الذي لا يحمله الناس في قلوبهم، لن تحمله النصوص وحدها، والتشريع الذي يولد مثقلاً بالرفض، سيشيخ سريعًا ولو كان في أول عمره.
ويبقى السؤال كما يطرحه الشارع:
هل سيكون قانون الضمان الاجتماعي جدار أمان أم جدار صدمة؟
الإجابة ليست في التصريحات، بل في ما ستكشفه الأيام… والأيام لا تجامل أحدًا.