الأردن واعتراض الصواريخ: دفاع عن السيادة لا انحياز في الصراع
حجازي البحري المحاميد
03-03-2026 03:16 AM
في ظل التصعيد الإقليمي المتكرر، يبرز سؤال يتردد في الشارع: لماذا يتصدى الأردن للصواريخ الإيرانية العابرة في أجوائه؟ وهل يعني ذلك انخراطًا في صراع لا يعنيه؟.
الإجابة ببساطة تكمن في مبدأ سيادي ثابت: الدولة مسؤولة أولًا وأخيرًا عن حماية أرضها وسمائها ومواطنيها، بغض النظر عن مصدر التهديد أو وجهته.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي، يقع في قلب منطقة تشهد توترات عسكرية متصاعدة. وعندما تعبر صواريخ أو مسيّرات أجواءه، فإن الخطر لا يكون نظريًا أو سياسيًا، بل عمليًا ومباشرًا. فالمقذوفات بعيدة المدى لا يمكن ضمان مسارها بدقة مطلقة، واحتمال الخطأ أو السقوط العشوائي قائم دائمًا، خاصة في حالات التشويش أو الاعتراض أو الأعطال الفنية. وفي بلد كثيف بالسكان وممتد عمرانيًا، فإن أي سقوط غير محسوب قد يؤدي إلى خسائر بشرية أو أضرار في منشآت مدنية أو مواقع حيوية.
التصدي للصواريخ في هذه الحالة ليس موقفًا سياسيًا منحازًا، بل إجراءً دفاعيًا بحتًا. العقيدة العسكرية الأردنية تقوم على حماية المجال الجوي ومنع استخدامه كساحة عبور مفتوحة لصراعات الآخرين. فالسماح بمرور المقذوفات دون اعتراض يعني عمليًا تعريض السيادة الوطنية للخطر، وترك القرار الأمني بيد أطراف خارجية.
من المهم التمييز بين “الدفاع عن النفس” و“الدفاع عن طرف آخر”. الأردن لا يخوض حربًا بالوكالة، ولا يتبنى أجندات خارجية، بل يطبق حقًا أصيلًا كفلته القوانين والأعراف الدولية: حماية حدوده وأجوائه. فكما أن أي دولة في العالم تعترض ما تعتبره تهديدًا لأمنها القومي، فإن الأردن يمارس السلوك ذاته ضمن نطاق سيادته.
كما أن الجانب العسكري لا يمكن فصله عن البعد الأمني الداخلي. وجود صواريخ أو مسيّرات تحلق فوق الأراضي الأردنية قد يشكل خطرًا على منشآت عسكرية حساسة، أو بنية تحتية استراتيجية، أو حتى منشآت طاقة ومطارات. وفي زمن تتداخل فيه التقنيات العسكرية، لا يمكن افتراض أن كل مسار محسوم أو أن كل هدف معروف بشكل قطعي.
الأردن تاريخيًا انتهج سياسة اتزان وتوازن في علاقاته الإقليمية، وسعى إلى تجنيب نفسه تداعيات الصراعات قدر الإمكان. لكن الحياد لا يعني التخلي عن حق الدفاع، وضبط النفس لا يعني ترك السماء مفتوحة أمام احتمالات غير محسوبة. السيادة ليست شعارًا سياسيًا، بل ممارسة يومية تبدأ من السيطرة على المجال الجوي.
إن الرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة هي أن اعتراض الصواريخ لا يُقرأ بمنطق الاصطفاف، بل بمنطق الأمن الوطني. فالدولة التي لا تحمي سماءها اليوم، قد تجد نفسها غدًا ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.
وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يبقى المعيار الأهم لأي قرار سيادي هو حماية الإنسان الأردني وأرضه ومؤسساته. وما عدا ذلك، يبقى في إطار التأويلات السياسية التي لا تغيّر من حقيقة أساسية: الأردن، عندما يعترض أي تهديد عابر في أجوائه، إنما يدافع عن نفسه أولًا.