«غزوة» فنزويلا: اختزال الأسباب بالنفط يطمس جوهر صراع النفوذ
ياسر هلال
04-01-2026 11:18 AM
يختزل كثير من التحليلات الزلزال الجيوسياسي المتعلق «بالغزوة» الأميركية لفنزويلا واعتقال رئيسها المنتخب، بالسعي للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم. وتلك قراءة، رغم وجاهتها الجزئية، تُشكّل تبسيطًا مخلاً، وتُغفل شبكة أوسع من المعطيات السياسية والاقتصادية وصراع النفوذ خاصة مع الصين. وربما كانت هذه القراءة تستقيم في خمسينات وستينيات القرن الماضي حين كان النفط عاملاً أساسيًا في تشكيل الجغرافية السياسية.
أولاً: أميركا تعود إلى عقيدة مونرو
فنزويلا اليوم ليست مجرد حقل نفطي، بل محور رئيسي، في ما تعتبره الولايات المتحدة مجالها الحيوي التقليدي في أميركا اللاتينية. خاصة وأن الرئيس دونالد ترامب يسعى منذ ولايته الأولى لإحياء «عقيدة مونرو» كما أعلن ذلك صراحة. وهي تنسجم عملياً مع شعار «أميركا أولًا». ولكن بتغيير جوهري يتمثل بحلول الصين محل أوروبا بوصفها التحدي الخارجي الأبرز.
فنزويلا ليست مجرد حقل نفطي، بل ساحة صراع نفوذ في قلب «عقيدة مونرو» الجديدة
ويلاحظ أن هذه العقيدة تبرز في مراحل ضعف أميركا، كما حدث في القرن التاسع عشر، حين اختارت العزلة عن العالم لحماية نفسها من الإمبراطوريات الأوروبية القوية. وهي تعود إليها في القرن الحادي والعشرين لحماية نفسها أمام النمو الاقتصادي السريع للصين، وتراجع القدرات الاقتصادية والعسكرية لحلفائها الأوروبيين والآسيويين.
ثانياً: فشل نظام الحكم في فنزويلا
لا يمكن لأي تحليل متوازن أن يغفل سبباً سياسياً مهماً، وهو فشل نظام الحكم في فنزويلا بإرساء الاستقرار السياسي والازدهار والحد من الفقر وتحسين الخدمات العامة. الأمر الذي ساهم في تعميق النفوذ الاقتصادي والسياسي للصين. كما ساهم في تحويل البلاد إلى بؤرة متفجرة تهدد الاستقرار الإقليمي، وإلى مفاقمة مشكلة المهاجرين غير الشرعيين وتهريب المخدرات.
النفط لم يعد العامل الحاسم في الجغرافيا السياسية للطاقة، فهناك المعادن النادرة وسلاسل الإمداد
ولا يجوز هنا المبالغة في التبسيط عبر حصر الأسباب بالحصار الأميركي. أو اعتبار هذه المعطيات مجرد «أكاذيب» تروجها أميركا لتبرير غزو فنزويلا. وفي المقابل، لا يعني ذلك مطلقاً أن الغزو الأميركي يستهدف «إغاثة الشعب الفنزويلي» وإقامة نظام ديمقراطي يحقق التنمية المستدامة. بقدر ما يعني تبيان الأسباب الحقيقية المتعلقة بالنفوذ والاستقرار الاستراتيجي.
ثالثاً: المصالح الاقتصادية والموارد غير النفطية
بعيداً عن النفط، تمثل فنزويلا بسوقها الاستهلاكية الضخمة وبما تمتلكه من موارد طبيعية متنوعة فرصة اقتصادية كبيرة، لا يمكن فصلها عن إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية الجارية بوتيرة متسارعة. وتندرج هذه العملية في سياق التنافس الأميركي–الصيني على المعادن والأتربة النادرة التي تمتلك فنزويلا مخزوناً ضخماً ومتنوعاً منها، يسهم في تحقيق هدف أميركا المركزي بكسر الارتهان للصين في توفيرها. خصوصاً وأن هذه المعادن باتت تضاهي بأهميتها النفط والغاز، باعتبارها عنصراً رئيسياً في تطوير الطاقة المتجددة وفي الثورات الصناعية المتلاحقة، وبالتالي في تشكيل الجغرافية السياسية العالمية.
رابعاً: الوزن الحقيقي للنفط في الأزمة
يقود هذا السياق إلى وضع النفط في إطاره الصحيح، حيث سيظل عنصراً أساسياً في تشكيل الموقع الإقليمي والدولي لفنزويلا. ولكن لا يستقيم أي تحليل باعتباره العامل الوحيد في التفكير الاستراتيجي الأميركي تجاه العلاقة مع فنزويلا. ويتضح ذك من المعطيات والحقائق التالية:
الشركات الأميركية لا تملك ولم تُطرد:
بمعزل عن تصريح الرئيس ترمب الذي استندت إليه الكثير من التحليلات، والذي طالب بـ «استعادة النفط والأراضي والأصول الأخرى التي سرقتها دول أميركا اللاتينية من الشركات الأميركية»، فإن الحقائق تؤكد عكس ذلك، وأهمها:
النفط والأراضي ملك للشعب الفنزويلي وليس للشركات الأميركية كما يقول الرئيس ترامب
الشركات الأميركية لم تكن تملك أصولًا نفطية وأراضي في فنزويلا، بل كانت تمتلك امتيازات. وهي لم تُطرد بل اختارت طوعاً الخروج بعد قيام تأميم صناعة النفط في عام 1975، أسوة بما فعلته غالبية الدول النفطية مثل السعودية والمكسيك والبرازيل.
الشركات الأميركية هي التي رفضت توقيع عقود جديدة للمشاركة في الإنتاج، وفضلت خيار المساومة للحصول على تعويضات حددتها بحوالي 40 مليار دولار. في حين عرضت فنزويلا منح كل شركة مليار دولار فقط.
كانت فنزويلا ولا تزال حريصة على عودة الشركات الأميركية. فقد وافقت في العام 1991 على مسار قانوني للتحكيم والتقاضي معها.
والتزمت بقرارات غرفة التجارة الدولية بين2012 و2018 بدفع تعويضات تتراوح بين 900 مليون و2 مليار دولار لكل شركة. كما التزمت في العام 2019 بدفع مبلغ 8.7 مليار دولار لشركة كونوكو فيليبس بموجب قرار المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار التابع للبنك الدولي.
ما يؤكد ترحيب فنزويلا بعودة الشركات الأميركية، أن شركة Chevron شيفرون التي قررت مواصلة العمل لا تزال تعمل حتى اليوم. وذلك في ظل أنظمة حكم «معادية». والأهم في ظل العقوبات الأميركية على قطاع النفط الفنزويلي. وهي تمارس نشاطها وتصدر النفط إلى أميركا بموجب ترخيص خاص من البيت الأبيض.
لا خوف من هيمنة الصين على النفط
من وجهة نظر واقعية، لا يبدو ان واشنطن تخشى هيمنة الصين على النفط الفنزويلي أو ضخ استثمارات مؤثرة لتطويره. وليس هناك أي مؤشرات فعلية على رغبة الصين في ذلك، رغم حاجتها الملحة ورغم حاجة فنزويلا الأكثر إلحاحاً. حيث تراجعت صادراتها من 4 ملايين برميل يومياً إبان حكم هوغو شافيز إلى نحو 700 ألف برميل خلال حكم مادورو. ومعروف أن تطوير هذه الاحتياطيات يتطلب استثمارات ضخمة واستقراراً سياسياً وإدارياً لا توفره البيئة الفنزويلية الراهنة.
ويمكن القول إن القادة الصينيين أكثر دهاءً وحكمة من استفزاز أميركا في عقر دارها. وهم لم ينسوا بعد درس حقل أغاديم في النيجر الذي لم يتمكنوا من الاستفادة منه بشكل مستدام رغم البدء بتطويره في 2008، وبناء خط أنابيب بطول 2000 كلم إلى بنين، ونشر أكثر من 700 جندي من الجيش الصيني لحمايته.
هل تحتاج أميركا فعلاً لنفط فنزويلا؟
بعيدا عن التحليلات التي «ما أنزل الله بها من سلطان»، كاحتساب قيمة احتياط النفط بحوالي 17 تريليون دولار، وأن أميركا ستحقق ثروة هائلة لو باعته بنصف السعر السائد. فالواقع أن سوق النفط العالمية لا تعاني نقصاً هيكلياً على المدى المتوسط أو الطويل ما يبرر غزو فنزويلا. فهناك طاقات إنتاجية فائضة حالياً. كما أن الأسواق تترقب التطورات المحتملة في الحرب الروسية–الأوكرانية، وفي أزمات إيران وليبيا والعراق، والتي قد تضيف إمدادات جديدة، بما يضغط على الأسعار ويضر بمصالح منتجي النفط الصخري الأميركي الأعلى كلفة.
زيادة قدرة الانتاج والتصدير في فنزويلا ليس في مصلحة أميركا وشركات النفط الصخري
ويعني ذلك إن وضع اليد على نفط فنزويلا هو في آخر أولويات أميركا حالياً. وربما يتم التفكير بهذا الاحتمال إذا جاء في سياق خطة مستدامة للتنمية الاقتصادية لدعم وترسيخ نظام حكم موال. وهو أمر مرهون بالتطورات التي باتت مفتوحة على كل الاحتمالات بعد الإطاحة بالرئيس مادورو، بما فيها موجة من الانقلابات العسكرية، أو الفوضى، وحتى التقسيم والتفتيت.
الخلاصة
إن النظر إلى التطورات في فنزويلا على أنها مجرد سعي للسيطرة على النفط، ينذر بقراءة قاصرة للخريطة الاستراتيجية بأبعادها الحقيقية. فالمسألة تتجاوز الموارد النفطية لتشمل صراع النفوذ مع الصين، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ومصالح الشركات الأميركية. كما تشمل الواقع السياسي والاجتماعي المتصدّع داخل فنزويلا نفسها.
طاقة الشرق