مؤسسات بلا نجاح أو فشل واضح: حين يخرج الذكاء المهني عن مساره
م. رياض الخرابشة
04-01-2026 01:15 PM
في كثير من المؤسسات، لا تكمن المشكلة في نقص الكفاءات، بل في حالة رمادية يصعب توصيفها: لا فشل واضح ولا نجاح حقيقي. العمل يسير، المؤشرات مستقرة، والقرارات تتكرر، لكن دون أثر نوعي أو تقدّم ملموس. هذه الحالة ليست صدفة، بل نتيجة سلوك وظيفي آخذ في الانتشار يقوم على تأجيل الأداء النوعي بدل غيابه.
يتمثل هذا السلوك في تقديم الحد الأدنى من الجهد، مع الاحتفاظ بالقدرة الحقيقية إلى حين ضمان مكسب شخصي؛ ترقية، نفوذ، أو أمان وظيفي. وغالبًا ما يُغلف هذا التصرف بمفهوم “الذكاء المهني”، بينما هو في حقيقته انحراف عن جوهر الدور الوظيفي.
المفارقة أن هذا السلوك لا يظهر بين ضعاف الأداء، بل بين الأذكياء وأصحاب الخبرة. هؤلاء لا يعجزون عن الإنجاز، بل يؤجلونه بوعي. يعرفون متى يعملون، ومتى ينتظرون، ومتى يحتفظون بأفضل ما لديهم خارج السياق المؤسسي. وهكذا يتحول التميّز من التزام مهني إلى رصيد مؤجل.
ومع الوقت، يتغير السؤال داخل المؤسسة. لا يعود: ماذا يحتاج العمل؟ بل يصبح: ماذا سأحصل مقابل أن أقدّم الأفضل؟ هنا يتحول الأداء من واجب مهني إلى أداة تفاوض غير معلنة، وتبدأ معادلة خطيرة بالتشكل داخل النظام.
خطورة هذا السلوك أنه لا يكسر القواعد بشكل مباشر، بل يلتف عليها. لا يُحدث أزمة فورية، لكنه يفرغ النظام من مضمونه. المؤشرات تبدو جيدة، لكن الحقيقة أن الأداء الحقيقي غائب، فتعيش المؤسسة حالة استقرار خادع: حركة بلا تقدم، وإنجاز بلا أثر.
وعلى المدى المتوسط، تبدأ النتائج بالظهور: تباطؤ في التطوير، مبادرات مؤجلة، وحلول سطحية. أما على المدى البعيد، فالأثر أشد خطورة؛ إذ تتكرّس ثقافة التذاكي على النظام، تنكفئ الكفاءات أو تغادر، ويفقد العمل قدرته على التجدد.
الأخطر أن هذا السلوك يُعاد إنتاجه تلقائيًا. فالموظف الجديد لا يتعلم ما هو مكتوب في الأدلة، بل ما يراه في الواقع. فيفهم سريعًا أن التميّز المبكر مخاطرة، وأن “الذكاء” هو إدارة الجهد لا تقديمه. وهكذا تتحول المؤسسة من بيئة عمل إلى بيئة مساومة دائمة.
إداريًا، لا يمكن تبرير هذا السلوك تحت أي مسمى. فعندما يُقدَّم المكسب الشخصي على متطلبات العمل، لا نكون أمام تفاوض مشروع، بل أمام خلل واضح في مفهوم الوظيفة. فالمؤسسة لا تُدار بمنطق الصفقات الفردية، بل بمنطق المسؤولية المشتركة.
المطلوب اليوم هو إنهاء أي سلوك وظيفي يقوم على معادلة “أعطني كي أعطيك”، لأن العمل المؤسسي لا يُبنى على المقايضة ولا يُدار بمنطق الصفقات المؤجلة. فالأداء النوعي واجب مهني لا ورقة ضغط، والتميّز قيمة عامة لا رصيدًا شخصيًا يُحتجز. وعندما تُحسم هذه المعادلة بوضوح، فقط عندها يعود الذكاء المهني إلى مساره الطبيعي: أداة للبناء والتطوير، لا وسيلة للتذاكي والتعطيل.