تخفيض الضرايب وزيادة الكاميرات .. هل هو توعوي أم مادي؟
المهندس مازن الفرا
04-01-2026 02:02 PM
تعكس قرارات التخفيض على الضرايب إدراكًا رسميًا متزايدًا بأن المواطن يواجه أعباء مالية متراكمة، وأن آليات التحصيل التقليدية لم تعد منسجمة مع الواقع الاقتصادي الحالي. غير أن ربط هذا التخفيض بتاريخ أو فترة زمنية محددة يفرغه من جزء كبير من أثره وعدالته، لأن عدم السداد في الغالب لا يكون ناتجًا عن غياب النية، بل عن غياب القدرة المالية في لحظة الاستحقاق.
فالمواطن، لو كانت لديه المبالغ المطلوبة، لسدّد التزاماته منذ البداية وتجنّب التراكم والغرامات. لكن الواقع أن غالبية المواطنين يعتمدون على دخل شهري محدود يذهب معظمه لتغطية احتياجات أساسية كالإيجار، والقروض، والتعليم، والمعيشة اليومية. وعليه، فإن التخفيض المرتبط بتاريخ معين يفترض توفر السيولة في وقت محدد، وهو افتراض لا يعكس الواقع الاقتصادي الفعلي.
من هنا تبرز أهمية جعل التخفيض على الضرايب مستمرًا طوال العام، ومرتبطًا بالسداد الكامل لا بالتوقيت. فالدولة لا تخسر عندما تُمهل المواطن، بل عندما يتعثّر في السداد وتتراكم عليه الالتزامات .
وفي السياق ذاته، يُطرح تساؤلًا مشروعًا حول قانون السير وآليات تطبيقه:
هل الهدف من قانون السير توعوي أم مادي؟
من حيث المبدأ، لا خلاف على أن الهدف الأساسي من قانون السير هو حماية الأرواح وتنظيم الحركة المرورية والحد من الحوادث، أي أنه قانون توعوي وردعي في جوهره قبل أن يكون عقابيًا. إلا أن التوسع الكبير في نشر كاميرات مراقبة السير، وتعددها بشكل ملحوظ، يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول الغاية من هذه الكثافة.
فإذا كان الهدف من نشر الكاميرات هو الحفاظ على سلامة المواطنين وتوعيتهم وضبط السلوك المروري،
فلماذا يتم احتساب الفرق بين القراءة الأولى والثانية للسرعة، وتحويل الطريق إلى مساحة لاصطياد المخالفة بدل تصويب السلوك؟
القانون التوعوي هو الذي:
• يُعلِم المواطن مسبقًا بالقواعد وآليات الرقابة،
• يُنذره قبل معاقبته،
• ويمنحه فرصة حقيقية لتصويب السلوك.
وكما هو الحال في الضرايب ، فإن العدالة في تطبيق قانون السير لا تتحقق بكثرة الغرامات، بل بوضوح التعليمات، وتناسب العقوبة مع الهدف، وربط الردع بتعديل السلوك لا بتعظيم الإيرادات. فالمخالفة المرورية يجب أن تبقى وسيلة لحماية الأرواح، لا عبئًا ماليًا دائمًا يفاقم شعور الضغط لدى المواطن.
الخلاصة أن المشكلة ليست في وجود القوانين، ولا في حق الدولة في التحصيل والتنظيم، بل في طريقة التطبيق وتوقيت المحاسبة. فدولتنا الرشيدة هي التي توازن بين حقها في فرض النظام، وحق المواطن في المعاملة العادلة والواضحة، وتدرك أن الالتزام الطوعي المبني على الفهم والثقة أكثر استدامة من الالتزام القائم على الخوف والغرامة.
وللحديث بقية