الأردن ليس فلسطين .. وفلسطين ليست وهْمًا
أ. د. هاني الضمور
05-01-2026 12:47 AM
ليست أخطر المقالات تلك التي تكذب، بل تلك التي تُراكم أنصاف الحقائق لتصنع منها وهمًا متماسكًا. المقال الذي يروّج لفكرة أن «الأردن هو الدولة الفلسطينية التي يرفض العالم رؤيتها» لا يقدّم قراءة شجاعة للواقع، بل يمارس إنكارًا سياسيًا منظمًا، يحاول من خلاله إعادة تسمية الفشل على أنه حل، والهروب إلى الأمام باعتباره رؤية استراتيجية.
فكرة أن فلسطين “وهم” وأن الفلسطينيين “شعب مخترع” ليست تحليلًا، بل عقيدة. وهي العقيدة نفسها التي رافقت كل المشاريع الاستعمارية حين عجزت عن التعامل مع حقيقة وجود شعب حيّ، متجذّر، ومقاوم. إن اختزال الفلسطيني في كونه “عربيًا مسلمًا يتحدث العربية” ليس تبسيطًا بريئًا، بل محاولة واعية لتجريده من حقه في الهوية السياسية، لأن الاعتراف بالهوية هو الخطوة الأولى نحو الاعتراف بالحق، وهذا ما يريد كاتب المقال الإفلات منه بأي ثمن.
لكن الواقع لا يُلغى بالخطابة. فالهوية الفلسطينية، مهما حاول البعض إنكارها، تشكّلت تاريخيًا عبر تجربة جماعية من الاقتلاع والمقاومة والتكيّف، وأصبحت حقيقة سياسية لا يمكن شطبها بإعادة رسم خرائط ذهنية. إن الشعوب لا تُخترَع بقرار، ولا تُمحى بمقال رأي، ولا تتحول إلى “ملف إداري” يُنقل من دولة إلى أخرى حين يفشل الاحتلال في إدارتها.
الأردن في هذا الطرح لا يُرى كدولة ذات سيادة، بل كشماعة استراتيجية، كمساحة امتصاص، كأرض فائضة يمكن تحميلها عبء القضية الفلسطينية بعد أن فشل الاحتلال في حلها أو كسرها. وهذه ليست فقط قراءة مجحفة بحق الأردن، بل خطيرة عليه. فالأردن لم يكن يومًا كيانًا مؤقتًا أو مشروعًا ناقصًا، بل دولة تشكّلت، واستقرّت، ودفعت أثمانًا باهظة للحفاظ على توازنها الداخلي وسط إقليم مشتعل. تحويله إلى “الدولة الفلسطينية الفعلية” لا يحل المشكلة الفلسطينية، بل ينقلها قسرًا إلى الداخل الأردني ويفجّر التوازن الذي حافظت عليه المملكة لعقود.
التناقض الفاضح في المقال أن كاتبه يصف الأردن في آن واحد بأنه دولة هشّة، مهددة، مخترقة بالإسلام السياسي، محاطة بأعداء، ثم يقترحه بوصفه الحل النهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فإذا كان الأردن ضعيفًا إلى هذا الحد، فكيف يمكن دمج الضفة الغربية وغزة فيه دون أن يؤدي ذلك إلى انهياره؟ وإذا كان الفلسطينيون، كما يدّعي الكاتب، خطرًا وجوديًا أينما وُجدوا، فكيف يصبح وجودهم الكثيف داخل الأردن عنصر استقرار؟ هذا ليس تفكيرًا استراتيجيًا، بل مقامرة سياسية فجة تُلقي بقنبلة ديمغرافية وأمنية في دولة قائمة ثم تتوقع منها أن تبتلع الانفجار بصمت.
يعتمد المقال على أمننة كاملة للصراع، حيث تتحول السياسة إلى تهديد، والهوية إلى خطر، والسيادة إلى جريمة. في هذا المنطق لا يعود هناك فرق بين مدني ومقاتل، ولا بين حق مشروع وعنف، ولا بين حل سياسي وإجراء أمني. كل شيء يُختزل في معادلة واحدة: السيطرة بدل التسوية، والقوة بدل الشرعية، والإكراه بدل التوافق. لكن التاريخ، لا الخطاب، يثبت أن الصراعات القومية لا تُحل بالقوة وحدها، وأن إنكار الشعوب لا ينتج أمنًا، بل يؤجل الانفجار ويجعله أكثر عنفًا حين يقع.
أما ما يُسمّى “الاتحاد الأردني الفلسطيني” في هذا الطرح فليس اتحادًا، بل إعادة إنتاج للاحتلال بصيغة أخرى. كيان منزوع السلاح، بلا سيطرة على حدوده، بلا سيادة على أرضه، بلا عاصمة في موطنه الطبيعي، وتحت إشراف أمني إسرائيلي دائم. هذا ليس حلًا، بل إدارة للصراع على حساب طرف واحد، وتأجيل للانفجار مع تحميل كلفته لدولة أخرى.
ظهور مثل هذا المقال في هذا التوقيت ليس صدفة. فحل الدولتين يترنح، والسلطة الفلسطينية فقدت الكثير من شرعيتها، وإسرائيل نفسها تعاني فراغًا سياسيًا عميقًا وعزلة أخلاقية متزايدة. وعندما تفشل المشاريع، يبدأ العبث بالمفاهيم، وتغيير أسماء الأشياء، ومحاولة إقناع العالم بأن المشكلة ليست الاحتلال، بل تعريف الشعب الواقع تحته.
لكن تغيير الأسماء لا يغيّر الوقائع. الأردن ليس فلسطين، وفلسطين ليست وهمًا، وإنكار الحقوق لا يصنع سلامًا، بل يراكم أسباب الصراع. قد ينجح رماد العيون في تشويش الرؤية مؤقتًا، لكنه لا يوقف التاريخ، ولا يلغي الشعوب، ولا يصنع مستقبلًا مستقرًا لأي طرف.