الجامعات ليست الطريق الوحيد… فأرجعوها إلى مكانها الحقيقي
د. مأمون سليمان
05-01-2026 02:15 PM
منذ زمن، صرّح رئيس هيئة الخدمة والإدارة العامة في المملكة الأردنية الهاشمية بأن «المولود اليوم يحتاج إلى 73 سنة ليُعيَّن في القطاع العام».
هذا الكلام دقيق 100%، بل يمكن أن نضيف عليه أن فرص التوظيف في القطاع الخاص أيضًا محدودة جدًا.
ومن هنا تبرز الحاجة الماسّة إلى تغيير نمط التفكير لدى الطلاب وأولياء الأمور معًا، لأن أولياء الأمور غالبًا هم من يتحكمون في قرارات أبنائهم الدراسية. في الأردن، الهرم التعليمي مقلوب؛ فـ90% من الطلبة يتجهون نحو الدراسات الأكاديمية، بينما تتجه النسبة المتبقية فقط نحو التعليم المهني، في حين أن النسبة الطبيعية يجب أن تكون معكوسة تمامًا، خصوصًا أن العديد من المهن التي تشكل عصب الحياة اليومية يشغلها غير الأردنيين.
أما من ينادون بإلغاء الجامعات فأقول لهم: الجامعات لم تُوجَد لتوظيف الخريجين، بل لتكون منارات علم ومعرفة، وعقل الدولة وضمير الأمة. هي التي توجه وتُنتج المعرفة وتقود المجتمعات، لا التي تتولى مسؤولية التوظيف. المطلوب هو إعادة الجامعات إلى كينونتها ووظيفتها الأساسية في تخريج طلاب ذوي علم وفكر، لا مجرد حملة شهادات.
الخلل اليوم لا يكمن في التعليم ذاته، بل في الغاية من التعليم. فالكثير من أولياء الأمور يرون في الجامعة وسيلة للتوظيف، بينما الأرقام تؤكد استحالة ذلك. فالأردن يُخرّج سنويًا ما بين 70 إلى 80 ألف طالب، في حين لا يستطيع القطاع الحكومي استيعاب أكثر من 7 إلى 10 آلاف موظف في أفضل الأحوال. حتى لو تضاعفت قدرته عشر مرات، فلن يغطي الفجوة المتراكمة.
البديل المنطقي هو التوجه نحو القطاعات المهنية والتقنية الفاعلة اقتصاديًا، فهي تختصر الزمن وتقلل النفقات، وتفتح الباب أمام الشباب لبناء مشاريعهم الخاصة. تخيّل أن ولي الأمر يدفع عشرين ألف دينار لتعليم ابنه في جامعة على مدار أربع أو خمس سنوات، على أمل أن يحصل بعد التخرج على وظيفة براتب 300 دينار! أي أنه سيحتاج نحو ست إلى ثمان سنوات ليسترد المبلغ فقط.
فلماذا لا يُستثمر هذا المبلغ وهذه السنوات في مشروع صغير؟ حتى لو كان الأب والابن يجهلان تفاصيله، فإن المتابعة والرعاية على مدى أربع سنوات كفيلة بتحقيق النجاح. مشروع بسيط اليوم قد يصبح بعد بضع سنوات مصدر دخل مستقر يغيّر حياة الأسرة بأكملها.
قد يفهم البعض من حديثي أنني ضد التعليم، وهذا غير صحيح إطلاقًا. فأنا أكاديمي، وأؤمن إيمانًا مطلقًا بأن التعليم هو السلاح الأول لتغيير الأمم والعالم بأسره. لكن المشكلة أن الغالبية لا يذهبون إلى الجامعة طلبًا للعلم، بل بحثًا عن الشهادة، وشتان ما بين الاثنين.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن الجامعة ليست الطريق الوحيد للوظيفة، وأن نعيدها إلى مكانتها الحقيقية كمؤسسة للفكر والمعرفة والبحث.
وفي المقابل، علينا أن نرعى أبناءنا في مشاريع منتجة، أو نوجههم نحو التعليم المهني والتقني، فهو الأقدر اليوم على صناعة مستقبل واقعي، ومجتمع قوي، واقتصاد متوازن ومستدام.
ملاحظة: أرقام التوظيف قد تكون غير دقيقة ، ولكنها مؤشرات مرعبة للتوظيف في المستقبل