الفاقد الكهربائي في الأردن
م. عبدالفتاح الدرادكة
07-01-2026 05:58 PM
يُعدّ الفاقد الكهربائي أحد العناصر الرئيسة المؤثرة في كلفة إنتاج الكهرباء، لما له من انعكاسات مالية وفنية مباشرة على النظام الكهربائي. فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كلفة إنتاج الكهرباء في النظام الكهربائي الأردني تبلغ نحو 1.8 مليار دينار سنويًا، فإن فاقدًا بنسبة 1% فقط يعادل ما يقارب 18 مليون دينار. ويُبرز ذلك الأهمية الكبيرة لتخفيض نسب الفاقد من خلال تحسين كفاءة الشبكة الكهربائية ورفع مستوى أدائها.
وينقسم الفاقد الكهربائي إلى نوعين رئيسيين، هما: الفاقد الفني والفاقد الإداري (فاقد العبث).
أولًا: الفاقد الفني
يعتمد الفاقد الفني على طبيعة النظام الكهربائي من حيث تصميم الشبكة ونوعية المواد المستخدمة في مكوناتها. ويُعرّف فنيًا بأنه ناتج عن الأثر الحراري للتيار الكهربائي، حيث يؤدي مرور التيار في الأسلاك والناقلات إلى تسخينها بما يتناسب طرديًا مع قيمة المقاومة الكهربائية. وتتناسب المقاومة عكسيًا مع مساحة مقطع الناقل؛ فكلما زادت مساحة المقطع قلت المقاومة، وبالتالي انخفض الفاقد.
ويتحقق خفض الفاقد الكهربائي عبر مجموعة من الإجراءات الفنية، من أبرزها اختيار جهود كهربائية مرتفعة، واستخدام أسلاك وناقلات ذات مساحات مقطع أكبر لتقليل مقاومتها الكهربائية.
ويُراعى عند اختيار نوع ومساحة الناقل تحقيق التوازن بين التقييم الفني والكلفة الاقتصادية، إذ إن زيادة مساحة المقطع تؤدي إلى ارتفاع الكلفة. كما تلعب مادة الناقل دورًا مهمًا؛ حيث يُعدّ النحاس الأفضل من حيث التوصيلية الكهربائية، إلا أن ارتفاع سعره يدفع معظم شبكات النقل والتوزيع إلى الاعتماد على الألمنيوم.
وبوجه عام، تبلغ النسب العالمية للفاقد الفني نحو 6%، بينما تتراوح في النظام الكهربائي الأردني بين 6–8%، ويشمل ذلك 1.76% فاقد شبكة النقل، وهي نسبة تُعد من بين الأدنى عالميًا.
ثانيًا: الفاقد الإداري (فاقد العبث)
يمثل هذا النوع من الفاقد سرقةً للطاقة الكهربائية، سواء من خلال التلاعب بالعدادات أو عبر توصيلات غير قانونية تُمكّن المستهلك من استهلاك الكهرباء دون مرورها عبر العداد. وتتراوح نسبة هذا الفاقد في نظام التوزيع الكهربائي بين 4–5%.
ويُسترد جزء من هذا الفاقد من خلال إجراءات التحصيل بعد اكتشاف حالات العبث، إضافة إلى فرض غرامات مالية مرتفعة من قبل شركات التوزيع. ومن المتوقع أن تنخفض هذه النسبة بشكل ملحوظ مع استكمال تركيب العدادات الذكية، لما توفره من دقة في القياس وقدرة على مراقبة الاستهلاك وكشف التجاوزات.
إن تخفيض الفاقد الكهربائي، بشقّيه الفني والإداري، يُعد هدفًا استراتيجيًا للاقتصاد الوطني، لما يحققه من تقليل للكلف، وتحسين لكفاءة النظام الكهربائي، وتعزيز لاستدامة قطاع الطاقة في الأردن.
أما الفاقد الفني، فمن الممكن تقليله، غير أن الوصول إلى حالة يكون فيها الفاقد صفرًا أمر غير ممكن عمليًا، إذ لا يتحقق ذلك إلا في حال وصول مقاومة الناقل إلى الصفر، وهو أمر مستحيل من الناحية الفيزيائية. وعليه، فإن الجهود تنصبّ دائمًا على تقليله قدر الإمكان. وكما أسلفنا، فإن المعدل العالمي في الأنظمة الكهربائية المتقدمة يبلغ نحو 6%، ونحن في الأردن لسنا بعيدين عن هذه النسبة، بل قد نكون مساويين لها في بعض مكونات النظام.
وفيما يخص شبكة النقل الأردنية، فإن نسبة 1.76% تُعد منخفضة جدًا مقارنة بالأنظمة الكهربائية الإقليمية والعالمية. أما الفاقد الإداري (العبث)، فبالإضافة إلى أثره التجاري المتمثل في زيادة الكلف على النظام الكهربائي، فإن استمراره وعلى نطاق واسع في بعض المناطق قد يُضلل القائمين على تخطيط النظام الكهربائي، ويؤدي إلى تقدير غير دقيق لقيمة الطلب الفعلي على الكهرباء في تلك المناطق.
وفي الختام، تبرز الحاجة إلى زيادة الوعي لدى المستهلكين بأن العبث بالطاقة الكهربائية، وإن بدا مفيدًا مرحليًا للبعض، إلا أنه عند اكتشافه يترتب عليه دفع قيمة الطاقة المستجرة بطرق غير قانونية، إضافة إلى الغرامات المالية المرتفعة. كما أن الاستمرار في الاستجرار غير القانوني لا يساعد شركات توزيع الكهرباء على التخطيط السليم للنظام الكهربائي، بما في ذلك تطوير الشبكات وتوفير القدرات المناسبة للمحولات الكهربائية.
والله من وراء القصد