السردية الاعلامية والحالة الاردنية !
د. فاطمة العقاربة
07-01-2026 09:26 PM
تعدّ السردية الإعلامية في أي دولة أداة حيوية في بناء الوعي الوطني وصياغة الإدراك الجمعي، خصوصًا في مواجهة الروايات المعادية أو المُضادة. وفي الحالة الأردنية، ورغم التراكم السياسي والرمزي والتاريخي الذي يميّز التجربة، إلا أن الرواية الإعلامية الرسمية تعاني من فجوة واضحة في قدرتها على تأطير الحدث ضمن سياق تاريخي يُكسبه الشرعية والمصداقية والقدرة على الإقناع.
إن البناء الإعلامي، كما تفهمه النماذج الاتصالية الحديثة، لا يقتصر على نقل المعلومة، بل يشمل إنتاج معنى متكامل، وإعادة ترميز الحدث ليصبح جزءًا من سرد وطني طويل المدى. ولكن في المشهد الأردني، يلاحظ المتابع غياب هذا المنهج، إذ تتصف التغطيات الإعلامية بالسطحية الزمنية، وانفصالها عن السياقات السياسية والاجتماعية والتاريخية، ما أضعف فاعلية الإعلام في مواجهة الحملات الممنهجة، وساهم في تمدد السرديات البديلة ذات الأجندات العقائدية أو الشعبوية.
تتجلى مظاهر هذا الخلل في التعامل الإعلامي مع ملفات مثل القضية الفلسطينية، والوصاية الهاشمية على المقدسات، والهوية الوطنية الأردنية، والحرب على الإرهاب، حيث يُختزل المشهد في لقطات آنية وخطابات رسمية مكرورة، دون تعميق الوعي بجذور الموقف الأردني ودلالاته الحضارية والسياسية والأخلاقية.
والسردية الاعلامية بسياقها التاريخي تُعتبر من الركائز الأساسية التي يبنى عليها الوعي الجمعي لأي مجتمع، فهي الوسيلة التي تُحوّل الأحداث والوقائع إلى معانٍ وفهم مشترك بين الجمهور. لا يقتصر الإعلام على نقل الخبر فقط، بل يتعدى ذلك ليشمل بناء سرد متماسك ينسجم مع الهوية الوطنية والتاريخ المشترك. في السياق الأردني، حيث تتشابك القضايا الوطنية مع موروث تاريخي عميق، يصبح حضور السرد التاريخي في الخطاب الإعلامي ضرورة لا غنى عنها لضمان وحدة الموقف الوطني ومواجهة الروايات المعادية لذلك مفهومها يختلف من شخص لاخر حسب البئية الاعلامية والتاريخية حيث انها تمثل "خطابًا مركبًا ينسج من خلاله الإعلامي أحداث الواقع بطريقة تحفز التفاعل الذهني والعاطفي لدى الجمهور، وتتطلب تماسكًا زمنياً ومضمونياً يربط الحدث بالذاكرة الجماعية" وبالتالي، فإن السردية الإعلامية ليست مجرد نقل موضوعي، بل هي إنتاج معاني يُعاد إنتاجها باستمرار لتؤثر في وعي الجماهير.
لذلك العلاقة بين السردية الإعلامية والهوية الوطنيةهي "منتج ثقافي متغير، يتشكل عبر سرديات تحكي قصة الوطن وشعبه، وتستدعي التاريخ كمرجع أساسي". لذلك، يحتاج الإعلام الوطني إلى توظيف التاريخ ليس فقط كحقائق تُروى، بل كمنهجية لسرد القصة الوطنية التي تبني انتماءً وموقفًا.
لذلك يواجه الإعلام الأردني تحديات عدة، منها: "اعتماد الخطاب الرسمي على البيانات النمطية، عدم استثمار التاريخ الوطني في صياغة خطاب إعلامي جذاب، وتأثر بعض المؤسسات الإعلامية بمصالح سياسية ضيقة تعيق الجرأة في طرح الموضوعات التاريخية الحساسة". ولا ننسى ان للاعلام الرقمي رغم التحديات دور بالسردية الاعلامية حيث ان الإعلام الأردني والتحولات الرقمية بدأت مع بداية الألفية الجديدة، حيث بدأ الإعلام الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي تلعب دورًا متزايدًا في تشكيل الرأي العام. وهذا أدى إلى انفجار في مصادر المعلومات، لكن في الوقت نفسه أدى إلى إضعاف السيطرة المركزية على السردية الوطنية، ما خلق بيئة خصبة للروايات البديلة، بعضها يعكس أجندات إقليمية أو مصالح خارجية. لذا رغم التطور الكمي والإعلامي في الأردن، لا تزال هناك تحديات عدة:غلبة اللغة الرسمية والبيروقراطية في المحتوى الإعلامي الرسمي و ضعف دمج البعد التاريخي والسرد الوطني في التقارير. وايضا محدودية القدرة على مواجهة الخطاب المضاد عبر وسائل الإعلام الحديثة.
لذلك نحن بحاجة إلى تدريب الكوادر الإعلامية على استراتيجيات سردية تفاعلية وجذابة تكتب بقلم اردني واعي ووفي .