هل نريد نوابًا يصفون مشاكلنا أم يعالجونها؟
صالح الشرّاب العبادي
08-01-2026 07:16 PM
منذ أعوام طويلة والمشهد النيابي في الأردن يعيد الدائرة نفسها: النواب يتحدثون عن ارتفاع الأسعار، ويشرحون مشكلات الكهرباء والمياه، ويصفون أزمات البطالة والفقر والدين العام، يؤشرون على الفساد ، بينما يعرف المواطن هذه التفاصيل قبل أن يصل نائب إلى المنصة، المواطن يعيش المشكلة، يدفع ثمنها من راتبه، ويختبر انعكاسها على أسرته وحياته اليومية ، وهنا يظهر السؤال الاستفهامي الجوهري: هل مهمة النائب أن يخبر الناس بما يعيشونه كل يوم؟ وإن لم يكن هذا دوره الحقيقي، فأين تكمن وظيفته الدستورية؟.
إن وظيفة النائب لا تتوقف عند شرح المشكلة أو نقل معاناة الناس، فهذا أقرب إلى تعليق سياسي أو دور إعلامي. السلطة التشريعية ليست غرفة أخبار ولا منصة تحليل ، النائب يمتلك أدوات دستورية قادرة على فرض التغيير، لكنه يتنازل عنها طوعًا أو يضعها في أدراج مغلقة او يعيش على الوعودات ومقابل المصالح الخاصة لغض الطرف ، فإذا كان النائب يرى خللًا في قطاع الكهرباء مثلًا، فواجبه أن يقترح تعديل القوانين الناظمة، وأن يلزم الحكومة شفافية التسعير، لا أن يكتفي بعبارة “الكهرباء مرتفعة”. وإذا كان يشكو من سوء الإدارة أو الترهل، فأمامه صلاحيات الاستجواب، وتشكيل لجان تحقيق، وطلب ملفات رسمية من أي وزارة، وصولًا إلى طرح الثقة في الوزراء والحكومة كاملة إذا لزم الأمر ، فلماذا لا يستخدم أهم سلاح؟ طرح الثقة، الذي نسيناه حتى كاد يتحول إلى نص تاريخي بلا روح ، واذا يرى فساداً في جانب ما ، عليه ان يوثق ذلك ويطلب تحقيقاً ويسأل ثم يستجوب مباشرة واذا لم يقتنع ، يعمل تكتل قوي ، ويطرح الثقة .
المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من النواب يشتكون من قرارات الحكومة ثم يصوتون مع الموازنة التي تنتج هذه القرارات نفسها ، يهزون رؤوسهم دعمًا للناس في الجلسات العلنية، ويرفعون أيديهم بالموافقة في اللحظة التي تتطلب المواجهة ، ومع ذلك يعودون إلى دوائرهم الانتخابية ليصفوا عجز الدولة ويشرحوا ما يعلمه الجميع، فيما يغيب الفعل ويتقدم الكلام.
لا تحتاج البلاد إلى مزيد من التشخيص، فالمشكلة معلومة بالتفصيل: اقتصاد مرهق، موارد محدودة، ديون متنامية، وخدمات تضغط فوق قدرة الناس ، ما تحتاجه حقًا هو تحويل التشخيص إلى أدوات دستورية فاعلة ، ما يحتاجه المواطن هو نائب يضغط لا نائبًا ينقل، نائب يشرع ويحاسب لا نائبًا يفسر، نائبًا يجرؤ على استخدام سلاح حجب الثقة عندما تتعطل الوعود، لا نائبًا يكتفي بنقد خطابي يعود أدراجه بعد دقائق.
وفي نهاية المطاف، تتوزع المسؤولية بين طرفين: النائب الذي يجب أن يمارس القوة القانونية التي يمتلكها لا تلك التي يتظاهر بأنه لا يملكها، والمواطن الذي لا بد أن يسائل ممثليه بجدية وعقلانية، لا بعاطفة ومجاملات. السؤال الحقيقي ليس: ماذا يقول النائب؟ بل ماذا يفعل النائب؟ وعند هذه النقطة فقط يمكن للديمقراطية البرلمانية أن تتحول من مسرح للخطابة إلى غرفة لصناعة القرار.
وفي انتظار التحول الضروري، يبقى السؤال معلقًا في الهواء: هل نريد نوابًا يصفون مشكلاتنا، أم نريد نوابًا يعالجونها عبر التشريع والرقابة والمحاسبة؟ الإجابة لا تكون بالكلام، بل بالفعل، ومن تحت قبة البرلمان لا من خلف الميكروفونات.
هذا هو العمل البرلماني ، إلا إذا كانت الحكومات لا تعلم حقيقة ما يعانيه المواطن وتعيش حالة من الانفصام عن الواقع ، وهذا مستحيل حتماً فهي من رحم الشعب ومنه .