كلّما نزلَ المطرُ تقاطرتْ أقلامُ الشّعراءِ تغنّي له بالحبِّ والحنينِ، وجاءَ الحديثُ عن المطرِ الذي ينقرُ النّافذةَ والقلبَ، أمّا أنا فما زلتُ أشمُّ رائحةَ التّرابِ مع أولى حبّاتِ المطرِ في الشّارع الخلفيِّ لبيتِ جدّتي – رحمَها اللهُ تعالى- في ذلكَ الحيِّ البعيدِ، وأذكرُ بحنينٍ كبيرٍ حبّات القطينِ في الخريطةِ المعلّقةِ في غرفتِها الصّغيرةِ التي كانتْ جدّتي تصرُّ على أنْ تسميَها (سقيفة).
وفي كلّ موسمٍ منْ مواسمِ المطرِ نجلسُ في بيوتِنا خلفَ مواقدِنا وأجهزةِ التّدفئةِ المختلفةِ نتابعُ أخبارَ الوطنِ، وشوارعِه الغارقةِ بأنهارٍ من المياهِ، والكثيرِ منْ أحيائِه ومخيّماتِه في الأطرافِ والقرى النّائيةِ التي كانتْ قبلَ المطرِ تفتقرُ إلى الكثيرِ منْ شروطِ الحياةِ الإنسانيّةِ، فأصبحَتْ بعدَ المطرِ كارثةً تضعُ إنسانيتَنا على المحكَّ؛ فحينَ تغرقُ الشّوارعُ والأحياءُ ويكونُ المطرُ سببًا للموتِ، عندَها يصبحُ للمطرِ معانٍ وأبعادٌ أخرى بعيدةٌ عن الشّعرِ.
ثمّةَ إحساسٌ يطرقُ القلبَ والرّوحَ، حينَ يقرعُ المطرُ زجاجَ النّافذةِ - ليسَ الحنينَ هذهِ المرّةَ- إنّما الأسى لما آلَ إليه الحالُ، وكأنَّ أوطانَنا قدْ صُمّمتْ صيفيًّا حتّى إذا ما تجمعتْ قطراتٌ من المطرِغرقت الشّوارعُ ومعها النّاسُ والسّياراتُ والبهائمُ، وأُعلنتْ حالةُ الطّوارئِ القُصوى في البلادِ؛ فلماذا لا نخطّطُ كيْ لا تكونَ الحالةُ طارئةً؟ ولماذا ننتظرُ المصيبةَ حتّى تكونَ قصوى؟.
هلْ تشبهُ حكايتُنا حكايةَ الجُدجدِ والنّملةِ؟ الحكايةُ الشّهيرةُ التي نرويها لأطفالِنا؛ لنحثَّهم على حسنِ التّخطيطِ والادِّخارِ، حينَ ظلَّ الجُدجدُ يغنّي طوالَ الصّيفِ، والنّملةُ تجمعُ الحَبَّ، ولمّا حلَّ الشّتاءُ حصدَ الجُدجدُ شوكَ البؤسِ والنّدمِ لمّا لمْ يجدْ حبّةَ قمحٍ واحدةً تقيمُ صلبَه؟ ما هيَ خطّةُ الحكوماتِ السّنويّةِ والخَمسيّةِ والعشريّةِ للبنيةِ التّحتيّةِ في البلادِ؟ لماذا تُعلنُ العطلُ في المدارسِ والدّوائرِ وتؤجّلُ الامتحاناتُ كلّما انْهلَّ المطرُ؟ ما هو العملُ الذي كان يؤدّى في الصّيف - إذنْ - حتّى يأتيَ الشّتاءُ - موسمُ الخيرِ والعطاءِ - بكلِّ هذا الشّللِ والدَّمارِ؟ أقولُ هذا وأنا أستحضرُ في الذّهنِ أنَّ ثمّةَ بلادًا في العالمِ تغطّيها الثّلوجُ معظمَ أيّامِ السّنةِ ولا يتعطّلُ فيها شيءٌ منْ أداءِ الأفرادِ أو المؤسّساتِ، ولا يقالُ هنا إنّ العبءَ كبيرٌ على الميزانيّةِ – تلكَ الحجّةُ التي باتتْ جاهزةً كلّما جاءَ الحديثُ عنْ نقصٍ أو تقصيرٍ- فإنْ لمْ تنفقْ الأموالُ على سلامةِ الأرواحِ، وما يضمنُ الحدَّ الأدنى من السَّكنِ الكريمِ، والطّعامِ الصّحيِّ، والماءِ النّظيفِ – أقولُ إنْ لمْ تنفقْ على ذلكَ فعلامَ؟.
وطالما أنّنا في أجواءِ المطرِ فقد سرّني - كما سرّ الكثيرين- أنّ مياه الأمطارِ قد ملأت السّدودَ هذا الموسمَ؛ حتّى لا نسأل: ما هي خطّةُ الحكوماتِ للإفادة من المياهِ المهدورةِ في الشّوارعِ؟ ونتمنّى أنْ يأتيَ الصَّيفُ ولا تأتي معه أزمةُ نقصِ المياهِ كما في كلِّ عامٍ؟.
قبلَ عقودٍ غنَّى السَّيابُ للمطرِ أنشودتَه الخالدةَ حينَ تورقُ الكرومُ لعينيّ الحبيبةِ، وحينَ تهامسَ الرّفاقُ أنَّ أمَّه تنامُ نومةَ اللحودِ، وتسفُّ التّرابَ، وتشربُ المطرَ.... ولكنْ يبدو أنَّ المطرَ اليومَ يحتاجُ صرخةً لتقومَ الجهودُ على أعلى درجاتِ الاستعدادِ؛ فيكونُ المطرُ غيثًا يحيي الأرضَ بعدَ موتِها، نريدُ للمطرِ أنْ يكونَ موسمًا للحبِّ والعطاءِ، لا كارثةً تنبئُ بالخرابِ والويلِ والثّبورِ على البلادِ والعبادِ.