تتسارع الأحداث في طهران وتتصاعد الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة في معظم أنحاء إيران، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهدد بضرب إيران بقوّة شديدة إذا ما بدأت السلطات بقتل المتظاهرين، بينما المرشد الإيراني علي الخامنئي يطالب ترامب بالتركيز على مشاكل بلاده.
هذهِ المواقف تتزامن بإلغاء عدد من رحلات الطيران إلى إيران، وتأتي في وقت تتصاعد فيه وتيرة الاحتجاجات في إيران لليوم الرابع عشر على التوالي.
فهل تتدخل واشنطن دعمًا للاحتجاجات في إيران؟ وكيف؟ وهل ستكون حرب جديدة عليها؟ وكيف سترد طهران على تهديدات ترامب؟ وهل ستشهد المظاهرات مزيدًا من التصعيد والتوسّع؟.
الجميع يراقب بما في ذلك تل أبيب التي مارس رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو التحريض من الداخل الإيراني، عندما أبدى تعاطفه مع المواطن الإيراني.
تصريحات عباس عراقجي ودعوات المرشد الإيراني جاءت جميعها ردًا على تصريحات الرئيس الأميركي التي قال فيها بأنّ الولايات المتحدة ستتدخل في إيران، في حال قتل المتظاهرين من قبل السلطات الإيرانيّة.
حتى أنّ السفير الأمريكي في تل أبيب يراقب الوضع عن كثب، وقال إنّ أي هجوم على طهران سيكون من قبل تل أبيب بما يتوافق مع مصالحها.
الموقف الإسرائيلي المعلن كان قبل أيام من قبل نتنياهو الذي أعرب عن تضامن إسرائيل مع الشعب الإيراني ونضاله من أجل الحرية والعدالة!.
كما أنّ أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الأيراني علي لاريجاني قال إنّ "يد الولايات المتحدة وإسرائيل تظهر في مشهد الاحتجاجات".
وكذلك اتهم وزير الخارجيّة الإيراني عراقجي، الولايات المتحدة وإسرائيل بـ"تأجيج حركة الاحتجاج" التي اتسعت رقعتها في البلاد؛ هذهِ الاتهامات جاءت خلال حديث عراقجي خلال زيارته إلى لبنان الجمعة في وقت تتسع رقعة الاحتجاجات في الداخل الإيراني، في وقت قللّ هو أيضًا من إمكانيّة حدوث تدخل عسكري أمريكي في الداخل الإيراني، على خلفية أزمة اقتصاديّة خانقة وتدهور العملة وارتفاع التضخم، وسط إجراءات أمنيّة مشددة شملت قطع الإنترنت واعتقال متظاهرين.
فهل تنجح تقديرات تل أبيب بقدرة الشارع الإيراني على التغيير من الداخل؟
وهل تؤدي المخاوف الاستباقية من قبل إيران وإسرائيل بضربة استباقيّة من قبل أحد الطرفين تجاه الآخر؟.
تشعر كلٌ من فرنسا وبريطانيا وألمانيا بقلقٍ بالغ إزاء تقارير عن أعمال عنف ارتكبتها قوات الأمن الإيرانيّة، وفرنسا وبريطانيا وألمانيا تندد بشدّة بقتل متظاهرين في إيران، كلٌ ذلك يأتي بعد تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب للنظام الإيراني، والتلويح بضربة عسكريّة أمريكيّة تستهدف إيران في حال استخدم النظام للقوّة؛ لقمع المتظاهرين الذين أمضوا أربعة عشر يومًا من التظاهر في الشوارع والأماكن العامّة تنديدًا بتدهور الوضع الاقتصادي في إيران.
الرئيس ترامب شارك مقطع فيديو يتعلق بالاحتجاجات التي اندلعت على خلفية الأوضاع الاقتصاديّة في إيران، وتحوّلت إلى مظاهرات مناهضة للنظام.
ونشر ترامب، عبر حسابه على منصة "تروث سوشيال" –أول أمس الجمعة- مقطع فيديو بثته القناة 13 الإسرائيليّة.
وكتب ترامب في التدوينة العبارات ذاتها المرفقة مع الفيديو، "أكثر من مليون شخص نظموا احتجاجات: ثاني أكبر مدينة في إيران باتت تحت سيطرة المتظاهرين، وقوات النظام غادرت المدينة".
ويذكر الفيديو أن "عدد المشاركين بالاحتجاجات في مشهد، ثاني أكبر مدينة في إيران، تجاوز المليون".
لكنّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعا، يوم الخميس الماضي، إلى "أقصى درجات ضبط النفس" في التعامل مع الاحتجاجات، وسط تقارير عن مواجهات في مناطق عدة.
الاحتجاجات -التي اتسع نطاقها بدأت في الثامن والعشرين من شهر كانون الأول الماضي ودخلت بإضراب نفّذه تجار في بازار طهران على خلفية تدهور سعر صرف العملة والقدرة الشرائيّة في البلاد، في ظلّ عقوبات أميركية ودوليّة، واتسع نطاق التحركات مع تركزها في غرب البلاد.
وتُعد هذه الاحتجاجات الأوسع في الجمهورية الإسلامية منذ مظاهرات العامين 2022 و2023 التي أعقبت وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها عند شرطة الأخلاق؛ على خلفية انتهاك قواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء.
يبدو بأنّ الأيام المقبلة ستكون حافلة بالأحداث وتثير تساؤلات حول مدى إمكانيّة قدرة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إسقاط النظام الإيراني، بعد أن خلخلته من الداخل؛ من خلال العقوبات الاقتصاديّة الأمريكية والأوروبيّة من خلفها، والتي ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي في إيران الذي غدا في غاية الصعوبة.
فطهران عاصمة إيران تعيش حالة عطش، والوضع الاقتصادي يزدادُ سوءًا، والنظام الإيراني يعيش حالة إنكارٍ للواقع، فهو ينفق مليارات الدولارات على تسليح وتمويل وتدريب الميليشيات العسكريّة وأذرعه في الخارج تحت عناوين متعددة أبرزها "محور الممانعة"؛ بينما فقدت العملة الإيرانيّة نصف قيمتها أمام الدولار العام الماضي وتجاوز التضخم 40% حتى نهاية العام نفسه. حتى أنّ خطاب المرشد خامئني لم يكن على قدرِ آمال المتظاهرين؛ إذ أنّه أتهم المتظاهرين بأنّهم يتصرفون نيابةً عن الرئيس ترامب ووصف المحتجين بـ"مثيري" الشغب.
إيران اليوم أمام اختبارٍ مفتوح وكل الاجابات ممكنة عن الأسئىلة المبهمة، لتبقى الأسئلة الدائرة في ذهن المتابع للمشهد:
هل تنجح طهران في الفصل بين غضب الداخل وتحديات الخارج؟
وهل تستطيع احتواء الشارع الملتهب؟ وهل ما هو تحت السطح أعمق من إجراء اقتصادي أو من مشكلة أمنيّة؟.
وهل ستسير الضغوط الدوليّة بهوامش مناورة ضيقة؟
وهل ينجح الشارع الإيراني باختبار حدوده وحدود الدولة معًا؟.
وماذا ينتظر إسرائيل وإيران معاً؟ وهل تؤجل إسرائيل ضربتها لحزب الله في لبنان لتدّخر ذخائرها؛ لاستخدامها في إيران إن استدعت الحاجة؟ أم أنّ إسرائيل تراهن على السقوط من الداخل بعيدًا عن أيِ عمليات عسكريّة إسرائيليّة؟!.
مدير مركز الرَّأي للدراسات والأبحاث
الرأي