facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حزب الله والحرب الأمريكية- الإيرانية: رهانات الوقت الضائع لمعادلة قيد الانهيار


07-03-2026 05:18 PM

عمون - في هذا المقال تناقش الباحثة المساعدة في معهد السياسة والمجتمع، ميرا مشعل الأسباب التي دفعت حزب الله للانخراط في الحرب لصالح إيران في مواجهة أميركا وإسرائيل، وتستعرض الفرضيات حول هذا التدخل، سواء كانت داخلية مرتبطة بالعلاقة مع الحكومة لبنانية الحالية أو الإقليمية وما يتعلّق بالعلاقة العضوية بين الحزب ونظام ولاية الفقيه في إيران.

تجادل مشعل في أنّ دخول الحرب لم يكن نتيجة فائض القوة لدى الحزب، بل على النقيض من ذلك تماماً هو انعكاس لمأزق الخيارات والرهانات الاستراتيجية، ومحاولة التمسّك بفرصة محدودة جداً في الوقت الضائع لحماية معادلة داخلية- إقليمية خلقت قوة الحزب وقدراته في المراحل السابقة، لكنها في مرحلة تقويض وانهيار كامل، وربما يسرّع قرار الحزب دخول الحرب في إعادة تعريف دوره وتحولاته وتموضعاته في المرحلةا لقادمة.

مع بدايات الخيوط الأولى ليوم الإثنين 2 مارس/آذار، وعبر رشقات صاروخية ومسيرات باتجاه شمال إسرائيل، دخل حزب الله فعلياً على خط المواجهة، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي ، غير أن هذا الحدث العسكري، بحد ذاته، ليس هو السؤال الحقيقي ، وإنما السؤال الأعمق يتجاوز التوقيت والميدان، ليطال جوهر القرار نفسه: ما الذي دفع الحزب إلى دخول هذه الحرب، رغم حالة الضعف الشديد والانكشاف الاستراتيجي الذي يعيش فيه بعد خسائره العسكرية والسياسية الأخيرة؟ هل هو قرار إسناد مباشر لإيران في معركة تعتبرها وجودية مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟ أم أنه خيار اضطراري فرضته حسابات داخلية لبنانية بدأت تنقلب عليه؟

ثم السؤال الأكثر حساسية: إلى أي مدى تشعر القاعدة الشيعية في لبنان اليوم بقابلية للدخول في مواجهة مفتوحة، في ظل الانهيار الاقتصادي، واستنزاف السنوات الماضية، واحتمالات عزلة داخلية خطيرة؟

هل دخل الحزب الحرب ليساند إيران في مواجهة الحرب الأميركية- الإسرائيلية فعلياً، وهو يدرك اختلال ميزان القوى ، أم دخلها ليعيد تشكيل المعادلة الداخلية اللبنانية كما فعل بعد حرب لبنان 2006، حين حوّل مغامرة عسكرية إلى أداة لإعادة تثبيت تفوقه السياسي؟ وهل نحن أمام معركة حدود، أم أمام لحظة مفصلية يتقرر فيها مصير الحزب نفسه، تبعاً لما ستؤول إليه الحرب الدائرة حول إيران؟

هذه الأسئلة لا تُقرأ كتحليل عسكري لتطورات المواجهة بقدر ما يحاول فهم الخلفيات السياسية والاجتماعية التي دفعت حزب الله الى الانخراط في الحرب في هذه اللحظة تحديدا ، فقرار الدخول في مواجهة بهذا الحجم لا يمكن تفسيره من زاوية واحدة، بل يتقاطع فيه العامل الداخلي اللبناني مع الحسابات الإقليمية المرتبطة بإيران، إضافة إلى المزاج الاجتماعي داخل البيئة الشيعية التي تشكّل الحاضنة الأساسية للحزب.

ومن هنا يحاول المقال تفكيك هذه العوامل مجتمعة، لفهم ما إذا كان دخول الحزب في الحرب يعكس خياراً استراتيجياً مدروساً، أم استجابة اضطرارية لبيئة إقليمية وسياسية تتغير بسرعة، وما الذي قد يعنيه ذلك لمستقبله داخل لبنان في ضوء مآلات الحرب الدائرة حول إيران.

العامل الداخلي ــ الحرب في سياق أزمة داخلية
منذ نشأته، لم يكن حزب الله يتعامل مع الحروب بوصفها مجرد وسيلة ردع خارجي، بل كثيراً ما تداخل البعد العسكري لديه مع حسابات التوازن الداخلي، فالمواجهات الإقليمية لم تكن معزولة عن السياق اللبناني، بل انعكست مباشرة على موقعه السياسي داخل الدولة، ففي حرب لبنان 2006، جاءت المواجهة في لحظة داخلية شديدة الحساسية أعقبت اغتيال رفيق الحريري وصعود تحالف قوى 14 آذار[1]، الذي شكّل تحدياً جدياً للمعادلة السياسية التي كان الحزب قد رسّخها بعد عام 2005.

وفي هذا السياق، لم تكن الحرب حدثاً عسكرياً منفصلاً عن البيئة الداخلية، بل تحوّلت بنتائجها السياسية إلى عامل أعاد خلط الأوراق، وسمح للحزب بالانتقال من موقع الدفاع السياسي إلى موقع ” الصمود المنتصر “، ما مكّنه من تثبيت تفوقه الداخلي لسنوات لاحقة.

غير أن إسقاط المرحلة السابقة على اللحظة الراهنة قد يكون تبسيطاً مخلّاً، فالوضع اليوم مختلف بنيوياً، الحزب خرج من حرب 2024 منهكاً بالخسائر الاقتصادية الذي قلّص قدرته على شراء الولاءات كما في السابق وكذلك الخسائر البشرية، فاقداً جزءاً كبيراً من قياداته العسكرية والأمنية في ظل الاغتيالات لقيادات الصف الاول والثاني واغتيال القائد الكاريزمي للحزب الأمين العام السابق حسن نصر الله .

من زاوية أخرى لم تعد البيئة اللبنانية متقبّلة لمعادلة ” الدويلة داخل الدولة ” بما يندرج أسفلها خطة نزع السلاح، والحظر الفوري لنشاطات حزب الله بتسليم السلاح الى الدولة اللبنانية، وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية و القانونية، واعتبار أي أنشطة أمنية أو عسكرية يقوم بها الحزب خارجة عن القانون وغير معترف بها من قبل الدولة، وتلك القرارات أعلن عنها رئيس الجمهورية عندما دخل حزب الله طرفا بالحرب. [2]

على الجهة المقابلة فإنّ تفسير قرار دخول الحزب إلى الحرب على أنه مجرد محاولة للهروب من أزمته الداخلية أو لإعادة شدّ العصب الشعبي ، بحيث ان الحزب ما زال يفترض بأنه يمتلك هامش المناورة ذاته الذي امتلكه عام 2006، وأنه قادر على توظيف الحرب داخلياً بالطريقة نفسها، وهو افتراض يصعب الدفاع عنه في ظل حجم الاستنزاف السياسي والاقتصادي والعسكري الذي يواجهه اليوم.

الحزب اليوم يتحرك ضمن بيئة لبنانية أكثر إنهاكاً، وضمن ميزان قوى إقليمي أكثر تعقيداً، وضمن واقع شيعي أقل قابلية لتحمّل مغامرات طويلة، لذلك يصعب القول إن قرار الدخول في الحرب كان مدفوعاً أساساً برغبة في إعادة إنتاج المعادلة الداخلية، الأرجح أن العامل الداخلي كان حاضراً كعنصر حساب ضمن معادلة أوسع، لكنه لم يكن المحرك الأساس.

الحرب قد تُنتج آثاراً داخلية عبر إعادة الاستقطاب لكن ذلك لا يعني أن هذه كانت غايتها الأصلية، فالمخاطرة بحرب غير متكافئة في ظرف اقتصادي واجتماعي هش، لا تبدو أداة مضمونة لإعادة تثبيت التفوق الداخلي، بل قد تحمل كلفة عكسية.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين 2006 واليوم: في السابق كانت الحرب تُدار من موقع ثقة بقدرة الحزب على تحويل المواجهة إلى رصيد سياسي داخلي، أما اليوم، فإن خوض مواجهة في ظل هذا القدر من الاستنزاف والانكشاف يجعل من الصعب اعتبارها مجرد مناورة داخلية محسوبة.

العامل الخارجي – الارتباط الوجودي بإيران وسوريا سابقاً
يبقى حزب الله جزءاً عضوياً من الاستراتيجية الإيرانية الإقليمية، إذ تنظر طهران إلى شبكتها الممتدة من جنوب لبنان إلى اليمن وفصائل المقاومة في العراق كخطوط دفاع متقدمة عن نظامها، ما يجعل الحزب أحد أدوات الردع متعددة الساحات.

لكن السؤال المحوري هنا: هل دخل الحزب الحرب تنفيذًا لوظيفة إيرانية، أم بدافع الحفاظ على المظلة الإيرانية الإقليمية، التي تشكل خسارتها كلفة سياسية واستراتيجية كبيرة للحزب على الصعيد الداخلي والخارجي؟

منذ تأسيسه، كان الحزب يستفيد من العمق السوري كخاصرة استراتيجية آمنة، توفر له حرية التحرك العسكري واللوجستي خارج لبنان، وتسهّل وصول الإمدادات، ومع ذلك، فقد تغيّرت هذه المعادلة بشكل جذري مع التحولات السياسية في دمشق، فالحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع لها تاريخ وإرث سيء مع حزب الله بخاصة في مرحلة دخوله العسكري إلى سورية لمساعدة الرئيس السوري بشار الأسد ضد المقاومة، وكان دور الحزب حينها متغيراً مهماً لحماية النظام السوري.

هذا التحوّل أجبر حزب الله على إعادة تقييم استراتيجيته، فالعلاقة لم تعد تحالفًا عضويًا قائمًا على اندماج أيديولوجي، بل أصبحت براغماتية ومشروطة بمصالح محددة، بما يشمل تفادي أي مواجهة مباشرة مع الدولة الجديدة ، و في الوقت نفسه، فقد الحزب طريق الإمداد السوري الذي كان يسمح له بالحركة اللوجستية والتموضع العسكري بحرية، فضلاً عن الإمداد العسكري والصاروخي المستمر الذي كان يستفيد منه الحزب لإعادة ملء مستودعات الأسلحة والتواصل مع محور الممانعة الممتد من طهران عبر الفصائل النافذة والقوية في العراق مروراً بسورية وصولاً إلى لبنان حين كان الحزب أيضاً يمتلك قوة كبيرة سياسياً وأمنياً وعسكرياً.[3]

أما الدعم الإيراني، فبالرغم من استمرار طهران في توفير دعم سياسي وعسكري محدود، إلا أن قدرة إيران على تعويض الحزب كما في الماضي تراجعت بشكل ملحوظ، خصوصًا بعد الاستنزاف الكبير في السنوات السابقة، سواء في سوريا أو الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وما صاحبها من خسائر بشرية واغتيالات قيادية، الأمر الذي قلّص هامش المناورة السياسي والعسكري للحزب وأثر مباشرة على علاقته مع القاعدة الشيعية في لبنان.[4]

في هذا السياق، يبدو أن قرار الحزب بدخول الى الحرب لم يكن مجرد خيار تعبوي داخلي أو دعم إيراني آلي، بل تعبير عن إدراك محدود بأن المعركة لم تعد اختيارية فسقوط إيران أو تغيّر دورها سيؤدي إلى انهيار أدواتها الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله. فإذا لم تخرج إيران من هذه الحرب منتصرة او على الأقل لم يتمكن النظام بصيغته الحالية من الاستمرار، فإن تداعيات ذلك على حزب الله ستكون مباشرة وحادة، لأنه دخل المعركة في موقف اضطراري وليس في موقع قوة مطلقة.

على الصعيد الداخلي، سيؤثر هذا على مصداقية الحزب أمام بيئته الشيعية، خصوصاً إذا بدأت الطائفة تشعر بأن مشاركته في الحرب تُفرض عليها من خارج الحدود اللبنانية دون حماية واضحة ، كما أن قدرة الحزب على تحويل التوتر الإقليمي إلى زيادة النفوذ الداخلي ستتراجع، وستصبح أي مواجهة مفتوحة مع إسرائيل أكثر خطورة، لأن الدعم اللوجستي والاستراتيجي الإيراني قد لا يكون مضمونًا كما في السابق.

القاعدة الشيعية – بين التضامن والقلق الوجودي
السؤال الأهم في هذه المرحلة لا يتعلق فقط بما يريده حزب الله، بل بما تريده بيئته الاجتماعية الحاضنة. فالقاعدة الشيعية اليوم ليست في الموقع نفسه الذي كانت عليه خلال حرب 2006، إذ تواجه أعباء اقتصادية واجتماعية قاسية، إلى جانب خسائر بشرية متراكمة ومخاوف حقيقية من عزلة داخلية أو حتى صدام أهلي.

في ظل هذا الواقع، قد يلتف جزء من البيئة الشيعية حول الحزب في لحظة تهديد مباشر لإيران أو للجنوب اللبناني، لكن جزءاً آخر بدأ يطرح سؤالاً مختلفاً وأكثر حساسية: هل بقاء الطائفة مرتبط عضوياً ببقاء الحزب، أم أن الفصل بين الطائفة كمكوّن لبناني وبين الحزب كتنظيم عسكري عقائدي أصبح ضرورة لحماية الوجود الشيعي في لبنان؟

لفهم هذا التحول في المزاج الاجتماعي، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية لموقع الشيعة في الدولة اللبنانية. فالشيعة يشكلون ما يقارب ثلث السكان في لبنان، أي بين 27% و32%، وقد عانوا تاريخياً من التهميش السياسي والاقتصادي منذ تأسيس الدولة، وتمركزت غالبية المجتمعات الشيعية في الأطراف، خصوصاً في الجنوب والبقاع والأحياء الهامشية في بيروت، حيث كانت مستويات التنمية ضعيفة والتمثيل السياسي ايضا محدوداً. الا ان هذا الواقع بدأ يتغير تدريجياً مع صعود العمل السياسي الشيعي المنظم، أولاً مع حركة أمل التي ظهرت في عام 1975، ثم بصورة أعمق مع ظهور حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي، الذي لم يقدّم نفسه فقط كتنظيم مقاوم بل كرافعة اجتماعية وسياسية نقلت الشيعة من هامش الدولة إلى قلب المعادلة اللبنانية.[5]

مع مرور الوقت، ترسّخ داخل الوعي الشيعي شعور بأن الحزب منح الطائفة قوة سياسية وأمنية لم تكن متاحة سابقاً ، فإلى جانب دوره العسكري، بنى الحزب شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية، ما خلق بنية تشبه “دولة داخل الدولة”، ووفّر فيها شعوراً بالحماية والتمثيل السياسي وربط المصالح الاقتصادية لنسبة كبيرة من القاعدة الشيعية بالحزب ومؤسساته وقدرته على توفير الوظائف والخدمات لأبناء الطائفة.

هذا الشعور تعزز بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم بعد حرب 2006، حين ترسخت صورة الحزب كقوة قادرة على الصمود في مواجهة إسرائيل، لذا في تلك المرحلة، لم يكن الحزب يُنظر إليه فقط كتنظيم سياسي، بل كرمز للكرامة الجماعية والقدرة على فرض موقع إقليمي للطائفة.

من الطبيعي والمنطقي أنّ هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجياً مع التحولات الإقليمية، خصوصاً بعد تدخل الحزب في الحرب السورية عام 2011، فالنظام السوري بقيادة بشار الأسد كان يشكل العمق اللوجستي والاستراتيجي للحزب، وكان التدخل العسكري في سوريا يُبرَّر بوصفه ضرورة لحماية خط الإمداد ومنع سقوط حليف إقليمي مركزي، إلا أن هذا التدخل حمل كلفة بشرية مرتفعة، فقد قُتل عدد كبير من المقاتلين خلال سنوات الحرب، ما نقل المزاج داخل البيئة الشيعية من مرحلة المقاومة الوطنية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها فكرة المقاومة مع عبء الانخراط في صراعات إقليمية طويلة، وتراكمت هذه التحولات مع الانهيار الاقتصادي الذي شهده لبنان منذ عام 2019، وهو ما جعل المجتمع الشيعي، كغيره من المجتمعات اللبنانية، يعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.[6]

ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، عاد السؤال حول احتمالية انخراط حزب الله في مواجهة أوسع مع إسرائيل، لكن المؤشرات الأولية آنذاك أظهرت أن القاعدة الصلبة للحزب لم تكن في مزاج اندفاعي نحو حرب شاملة، فالحرب لم تعد تُقرأ فقط بمنطق الردع والكرامة، بل أيضاً بمنطق الكلفة الاجتماعية والاقتصادية التي قد يتحملها المجتمع المحلي.

ومع توسع المواجهة لاحقاً، تضاعفت هذه الكلفة، فقد شكّلت سلسلة الضربات الإسرائيلية، بما في ذلك استهداف قيادات ميدانية واغتيال شخصيات بارزة داخل الحزب، صدمة عميقة داخل البيئة الشيعية، لم تكن هذه الخسائر مجرد خسائر عسكرية، بل حملت أيضاً بعداً رمزياً، خصوصاً بعد فقدان قيادات كانت تمثل ركائز معنوية وسياسية داخل المجتمع الشيعي، هذا العامل أسهم في تعزيز حالة القلق الصامت داخل البيئة الحاضنة، فقد باتت فكرة الحرب تُستقبل بقدر أكبر من الحذر والقلق مقارنة بالمراحل السابقة.

وفي هذا الإطار ، يمكن ملاحظة اتساع شعور بالاستياء داخل بعض الأوساط الشيعية، ليس بالضرورة من فكرة المقاومة بحد ذاتها، بل من كلفة الانخراط المستمر في صراعات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، فبعد سنوات من الاستنزاف الاقتصادي والخسائر البشرية، بدأ يتشكل إدراك متزايد بأن المجتمع الشيعي يتحمل قسطاً كبيراً من أعباء هذه المواجهات، سواء ديموغرافياً أو اقتصادياً أو على صعيد البنية التحتية والخدمات، بخاصة أنّ التعويض الذي كان يحدث سابقاً عبر النظام الإيراني للحزب مالياً بما يغطي جزءاً كبيراً من تعويض الناس وإعادة بناء البنية التحتية لم يعد موجوداً، ولن تكون طهران قادرة لاحقاً على تقديم هذه التعويضات، فضلاً عن عجز الدولة في لبنان عن تغطية هذه الكلفة الكبيرة على سكان الجنوب والضاحية الجنوبية في بيروت.

لا يقتصر هذا التحول على المزاج الشعبي فقط، بل قد ينعكس أيضاً على طبيعة العلاقة بين القوى السياسية الشيعية نفسها، وخصوصاً بين حزب الله وحركة أمل، فالثنائية التي شكلها الطرفان لعقود كانت بمثابة صمام أمان داخل الطائفة، إذ وفّرت إطاراً سياسياً يمنع الانقسام الداخلي، غير أن موقع حركة أمل الأكثر اندماجاً في مؤسسات الدولة قد يدفعها، في لحظات الأزمات الكبرى، إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية توازن بين التحالف الاستراتيجي مع الحزب وبين حماية الاستقرار الداخلي للطائفة والدولة اللبنانية، أي اتساع في المسافة السياسية بين التنظيمين، حتى لو بقي غير معلن، قد يعكس تحولاً أعمق داخل الشارع الشيعي نفسه، لأن الوحدة السياسية كانت تاريخياً أحد أهم عناصر تماسك الطائفة.[7]

بالمجمل، يمكن القول إن البيئة الشيعية لا تشهد انقلاباً على حزب الله، لكنها تمر بمرحلة إعادة تقييم هادئة لأولوياتها، فبعد عقود من الصعود السياسي والشعور بالقوة، تجد هذه البيئة نفسها اليوم أمام تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، إلى جانب بيئة إقليمية أكثر تقلباً وضمانة إيرانية أقل صلابة .

المحدد الحاسم – ماذا سيحدث في الحرب الإيرانية؟
مستقبل حزب الله لم يعد يُحدَّد فقط في الجنوب اللبناني أو في بيروت، بل بات مرتبطاً إلى حد كبير بمآلات الحرب الدائرة حول إيران، فالحزب يشكّل أحد أبرز مكونات الشبكة الإقليمية التي بنتها طهران خلال العقود الماضية، وبالتالي فإن مصيره الاستراتيجي بات متشابكاً مع مصير هذه المنظومة، فمنذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، ارتبط الحزب عضوياً بالدعم الإيراني سياسياً وعسكرياً ومالياً، كما استفاد طويلاً من العمق السوري الذي شكّل ممراً لوجستياً حيوياً لسلاحه وقدراته ، إلا أن سقوط النظام السوري السابق ، إضافة إلى الحرب الواسعة التي تواجهها إيران اليوم، وضع الحزب أمام معادلة غير مسبوقة : خسارة الشريان السوري من جهة، واحتمال تعرض المظلة الإيرانية نفسها لضغط وجودي من جهة أخرى.[8]

في هذا السياق، يصبح دخول الحزب في الحرب جزءاً من حسابات تتجاوز الساحة اللبنانية، فالحزب يدرك أن أي ضربة كبرى لإيران لن تعني فقط تراجع نفوذها الإقليمي، بل قد تعني أيضاً اهتزاز الأساس الذي قام عليه مشروعه العسكري والسياسي، لذلك تبدو الحرب بالنسبة إليه أقرب إلى معركة دفاع عن شبكة التحالفات التي تمنحه القدرة على الاستمرار، وليس مجرد مواجهة تقليدية مع إسرائيل.

هذا الارتباط الوثيق يحمل في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية كبيرة، فإذا خرجت إيران من هذه الحرب منهكة لكنها باقية، قد يحاول الحزب إعادة إنتاج نفسه تدريجياً داخل لبنان مستفيداً من بقاء الحد الأدنى من الدعم السياسي والعسكري، أما إذا شهدت إيران تحولاً جوهرياً في بنيتها السياسية أو في دورها الإقليمي، فإن الحزب قد يجد نفسه أمام أزمة مزدوجة تتعلق بالهوية والتمويل والشرعية، وفي السيناريو الأكثر تطرفاً، أي في حال تعرض النظام الإيراني لاهتزاز كبير أو سقوط سياسي، فإن الحزب قد يواجه مرحلة إعادة تعريف كاملة لدوره، قد تدفعه تدريجياً إلى التحول إلى حزب لبناني سياسي أكثر منه تنظيماً عسكرياً إقليمياً.

وفي ضوء هذه المعادلة، قرار الحزب بالدخول في الحرب لم يكن تعبيراً عن فائض قوة بقدر ما كان انعكاساً لضيق الخيارات الاستراتيجية، فبالنسبة له، خسارة إيران بعد خسارة العمق السوري قد تعني فقدان الركائز الأساسية التي استند إليها طوال العقود الماضية، وهو ما يجعل الحرب بالنسبة إليه أقرب إلى محاولة منع انهيار المنظومة التي تمنحه القدرة على الاستمرار، حتى لو كانت كلفة هذه المواجهة مرتفعة على الحزب وبيئته وعلى لبنان ككل.[9]





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :