facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن والمياه… بين ندرةٍ تُرهق الحياة ورؤيةٍ تبحث عن خلاص


الدكتور مهند النسور
11-01-2026 10:38 AM

لم يعد الحديث عن المياه في الأردن ترفًا فكريًا ولا ملفًا مؤجلًا على طاولة السياسات العامة، بل صار جزءًا من اليوميّ المرهق للمواطن. فالماء هنا لا يُؤخذ كحقّ بديهي، بل يُدار كاستثناء، ويُنتظر كضيفٍ ثقيل. في بلد يُصنَّف من بين أفقر دول العالم مائيًا، يعيش الأردني على حصة سنوية لا تتجاوز قرابة مئة متر مكعب، أي أقل بكثير مما يحصل عليه المواطن المتوسط على المستوى العالمي، سواء سنويًا أو يوميًا. هذه الفجوة الصارخة لا تعكس مجرد تفاوت في الموارد، بل تترجم واقعًا من القلق الدائم، وتجعل شحّ المياه شرطًا مضادًا للرفاه الاجتماعي والتنمية المستدامة.

في البيوت الأردنية، لا تُقاس الأزمة بالأرقام وحدها، بل بعدد الأيام التي ينتظر فيها الناس وصول المياه إلى خزاناتهم. التقنين بات نمط حياة، وإدارة الماء أصبحت مهارة قسرية. المواطن الذي يفترض أن يحصل على مياه منتظمة، بات يتكيّف مع كميات محدودة لا تكاد تكفي للاحتياجات الأساسية. ومع أن كميات أكبر تُنتَج وتُضَخّ في الشبكات، إلا أن جزءًا كبيرًا منها يُفقَد قبل أن يصل إلى المنازل، بفعل تسريبات وبنية تحتية مُنهكة، ما يجعل ما يصل فعليًا أقل بكثير مما هو متاح نظريًا.

هذا الشحّ لا يبقى حبيس الجداول والإحصاءات، بل يتسلّل إلى الصحة العامة ونمط العيش. فحين تقلّ المياه، تتراجع معايير النظافة، وتزداد مخاطر التلوّث، ويصبح تخزين المياه في المنازل ضرورة لا خيارًا. ومع التخزين الطويل، خصوصًا في ظروف غير مثالية، تعود إلى الواجهة أمراض مرتبطة بالمياه والغذاء الملوثين، مثل الإسهالات المعوية والتهابات الجهاز الهضمي، وأحيانًا التهاب الكبد الوبائي، وهي أمراض ظنّ كثيرون أنها أصبحت من الماضي.

هذه الأمراض لا تصيب الجميع بالقدر نفسه. كبار السن يدفعون ثمنًا مضاعفًا؛ فضعف المناعة، ووجود أمراض مزمنة، وسرعة الإصابة بالجفاف تجعل هذه الحالات أكثر خطورة عليهم، وقد تتحول من وعكة صحية عابرة إلى تهديد حقيقي للحياة. الأطفال أيضًا من أكثر الفئات هشاشة، إذ تؤثر الإسهالات المتكررة على نموهم وتغذيتهم، وتنعكس على قدرتهم على التركيز والتعلّم، وتزيد من نسب التغيب عن المدارس. وهكذا تتحول أزمة المياه من مسألة خدمية إلى عامل خفي يطال رأس المال البشري منذ سنواته الأولى، ويقوّض فرص التنمية على المدى البعيد.

هذا البعد الصحي يفرض ضغطًا إضافيًا على المنظومة الصحية، ليس فقط من حيث علاج الحالات، بل من حيث الوقاية والمراقبة والاستجابة. فشحّ المياه يضعف أسس النظافة العامة في البيوت والمرافق والمؤسسات، ويرفع احتمالات تفشي أمراض يمكن الوقاية منها في ظروف مائية أفضل. ومع كل موجة تقنين قاسية، يزداد العبء غير المرئي على القطاع الصحي، من أسرّة وأدوية وكوادر، في وقت تحاول فيه المنظومة موازنة أولويات متعددة بموارد محدودة.

اقتصاديًا واجتماعيًا، تتقاطع الأزمة الصحية مع أزمات أخرى. فالزراعة، التي تشكّل ركيزة للأمن الغذائي، تواجه تحديات وجودية. والصناعة تعيد حساباتها بحذر، فيما يتردد الاستثمار في بيئة تعاني عدم استقرار مائي. ومع التغير المناخي، وتراجع الهطول المطري، وازدياد الطلب بفعل النمو السكاني واستضافة اللاجئين، تتعمّق الفجوة بين المتاح والمطلوب عامًا بعد عام، ليصبح شحّ المياه عائقًا بنيويًا أمام الرفاه والتنمية، لا مجرد أزمة عابرة.

أمام هذا الواقع، جاءت الرؤية الوطنية للمياه كإقرار بأن الأزمة لم تعد تقنية فقط، بل قضية صحة عامة وتنمية وكرامة إنسانية. رؤية تسعى إلى تقليل الفاقد، وتحسين الكفاءة، والبحث عن مصادر أكثر استدامة. وفي قلبها يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه، لا كمشروع هندسي فحسب، بل كخيار وقائي واستراتيجي، يهدف إلى تأمين مياه آمنة ومستقرة، وتخفيف الضغط عن المصادر المستنزفة، وتقليل المخاطر الصحية المرتبطة بالندرة والتلوث.

اليوم، يعيش الأردني على القليل من الماء، لكنه يحمل كثيرًا من الصبر. وبين واقع الندرة القاسية وأفق الحلول الاستراتيجية، تتشكّل معركة صامتة عنوانها البقاء بكرامة. معركة قد تكون طويلة ومكلفة، لكنها تحمل فرصة حقيقية: أن يدرك المجتمع والدولة معًا أن الماء ليس خدمة فقط، بل أساس للصحة، وشرط للرفاه والتنمية، وخط الدفاع الأول عن الإنسان، خصوصًا الأضعف بيننا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :