كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم القرار الحكومي؟
د. علي الروضان
11-01-2026 04:10 PM
لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهومًا تقنيًا معزولًا أو مشروعًا تجريبيًا محدود الأثر، بل أصبح اليوم أداة إدارية واستراتيجية تعتمد عليها حكومات العالم لتحسين جودة القرار العام، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز ثقة المواطن بالدولة. ومع التطور المتسارع في النماذج اللغوية الكبيرة (Large Language Models – LLMs)، تبرز أمام الأردن فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة الرقمنة التقليدية إلى مرحلة أكثر نضجًا، تقوم على حكومة ذكية تقودها البيانات والمعرفة.
تواجه المؤسسات الحكومية يوميًا تحديًا يتمثل في التعامل مع كمٍّ هائل من القوانين والأنظمة والتعليمات والتقارير المتراكمة عبر سنوات طويلة. هذا التراكم، على الرغم من أهميته، يتحول في كثير من الأحيان إلى عبء يبطئ اتخاذ القرار ويزيد من التعقيد الإداري. وهنا يبرز دور التوليد المعزّز بالاسترجاع (Retrieval-Augmented Generation – RAG)، وهي تقنية تربط النماذج الذكية مباشرة بالمصادر الحكومية الرسمية، بحيث يتم أولًا استرجاع النصوص المعتمدة، ثم توليد الإجابة بالاستناد إليها فقط، مما يعزز الدقة والموثوقية ويقلّل الاجتهاد غير المدروس أو الاعتماد على معلومات غير موثقة.
وعند دمج هذه التقنية مع النماذج اللغوية، يمكن بناء مساعد ذكي داخل الوزارات والمؤسسات يعمل كمستشار سياسات داخلي، يساعد صانع القرار على مقارنة التشريعات السابقة، وتحليل أثر القرارات المقترحة، والتنبيه إلى المخاطر القانونية أو المالية المحتملة، بالاستناد إلى المعرفة المؤسسية المتراكمة. هذا التحول لا يختصر الوقت والجهد فحسب، بل ينقل العمل الحكومي من منطق ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي وصناعة القرار المبني على الأدلة.
وفي مجال دعم اتخاذ القرار، شهدت لوحات المعلومات التحليلية (Analytical Dashboards) نقلة نوعية بعد دمجها بالذكاء الاصطناعي. فلم تعد هذه اللوحات تكتفي بعرض الأرقام والمؤشرات، بل أصبحت قادرة على التفاعل مع المسؤول بلغة طبيعية. يستطيع صانع القرار أن يطرح سؤالًا مباشرًا مثل: ما الأثر المتوقع لهذا القرار خلال الأشهر الستة القادمة؟ فتقوم المنصة بتحليل البيانات التاريخية، وتشغيل نماذج تنبؤية، وعرض سيناريوهات واضحة تساعد على اتخاذ قرار قائم على المعرفة والتحليل، لا على التقدير الشخصي وحده.
ولا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على القيادات العليا، بل يمتد إلى داخل المؤسسات الحكومية نفسها، حيث يسهم بشكل ملموس في رفع إنتاجية الموظف الحكومي. فمن خلال قدرته على تلخيص التقارير المطوّلة، والمساعدة في إعداد مسودات الكتب والمراسلات الرسمية، وتحليل آلاف الشكاوى والملاحظات لاستخراج الأنماط المتكررة ومواطن الخلل، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك عمل يومي. هذا الاستخدام لا يهدف إلى استبدال العنصر البشري، بل إلى تحريره من الأعباء الروتينية، وتمكينه من التركيز على التحليل، والتفكير العميق، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا وجودة.
وفي هذا السياق، يبرز عامل المهارات والتدريب بوصفه حجر الأساس لنجاح أي تحول ذكي. فالذكاء الاصطناعي لن يحقق قيمته الحقيقية دون موظفين يمتلكون مهارات المستقبل، مثل استخدام الأدوات الذكية، وفهم البيانات، والتفكير التحليلي، والقدرة على تقييم مخرجات النماذج واتخاذ الحكم المهني السليم بشأنها. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحّة لبناء ثقافة تعلّم مستمر داخل الجهاز الحكومي، وتوفير برامج تدريب عملية مرتبطة بالعمل اليومي، وتطوير قيادات قادرة على إدارة فرق تعمل جنبًا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي. فنجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد الأنظمة الذكية، بل بقدرة الإنسان على توظيفها بثقة وكفاءة ووعي.
أما على مستوى الخدمات المقدّمة للمواطن، فقد تطورت الروبوتات الحوارية الحكومية (Chatbots) بشكل لافت. لم تعد هذه الروبوتات مجرد أدوات للإجابة عن الأسئلة الشائعة، بل أصبحت واجهة رقمية ذكية تفهم سياق الطلب، وتربط بين أكثر من جهة حكومية، وتوجّه المواطن خطوة بخطوة. وعند ربط هذه الروبوتات بالأنظمة والتعليمات الرسمية، تصبح الإجابات أدق، وتقل الأخطاء، ويتراجع الضغط على الموظفين، وترتفع ثقة المواطن بالخدمة الحكومية.
وفي قلب هذا التحول، تبرز هندسة الأوامر (Prompt Engineering) كمهارة أساسية في الحكومة الذكية. ففاعلية الذكاء الاصطناعي لا تعتمد فقط على قوة النموذج، بل على كيفية صياغة السؤال، وتحديد السياق، وتعريف المخرجات المطلوبة بدقة. الفرق كبير بين سؤال عام ينتج إجابة عامة، وأمر مُحكم يحوّل النظام إلى أداة تحليل ودعم قرار فعّالة. والأهم أن هذه المهارة ليست تقنية معقدة، بل مهارة إدارية يمكن تدريب القيادات والموظفين عليها خلال فترة قصيرة.
ورغم كل هذه الإمكانات، يبقى نجاح الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي مرتبطًا بتوفر حوكمة واضحة للبيانات، وللاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية. فلا قيمة لأي نظام متقدم دون بيانات دقيقة ومحدّثة، ولا يمكن استخدام هذه الأدوات دون ضوابط تحمي الخصوصية، وتحدّ من التحيّز، وتضمن الشفافية والمساءلة.
وفي الختام، لم يعد الذكاء الاصطناعي مشروع تقنية، بل مشروع إدارة حديثة. وعندما يتم توظيف النماذج اللغوية، والتوليد المعزّز بالاسترجاع، ولوحات المعلومات التحليلية، والروبوتات الحوارية، وبناء المهارات البشرية بشكل متكامل ومدروس، تستطيع الحكومة أن تنتقل إلى نموذج أكثر ذكاءً ومرونة، يدعم القرار العام، ويحسّن جودة الخدمات، ويقرّب الدولة من المواطن، ويضعها على مسار حكومة قادرة على مواكبة المستقبل بثقة.