لماذا السردية الأردنية الآن؟ .. قراءة نقدية
د. محمد حيدر محيلان
23-02-2026 10:40 AM
في تحليل السياسات العامة، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من سلاح فقط، بل بما تملكه من قدرة على إدارة الوعي. فالحرب التي تُخاض في الميدان قد تنتهي بوقف إطلاق النار، لكن الحرب التي تُخاض على الرواية لا تنتهي، لأنها تستهدف تفسير ما حدث، وتحديد كيف سيتذكره العالم، وكيف ستفهمه الأجيال القادمة. ولهذا، لم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية، بل أصبح تثبيت الرواية جزءًا لا يتجزأ من تثبيت نتائج الصراع.
من هذا المنطلق، يمكن فهم ما تقوم به إسرائيل اليوم بوصفه سياسة عامة واعية وممنهجة، لا مجرد نشاط إعلامي تقليدي. فقد خصصت إسرائيل، ضمن موازنتها لعام 2026، مئات الملايين من الدولارات ، لتعزيز منظومتها الإعلامية العالمية، وليس للحرب العسكرية، بل لما تسميه صراحة «حرب الوعي». وقد أعلن وزير خارجيتها بوضوح أن الاستثمار في تشكيل الوعي لا يقل أهمية عن الاستثمار في القنابل والصواريخ، في اعتراف صريح بأن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على تفسير الأرض، وعلى شرعية الرواية، وعلى طمس الحقائق والروايات غير الاسرائيلية وعلى إدراك العالم لما حدث وما يحدث.
هذه السياسة لا تقوم على رد الفعل، بل على التخطيط الاستباقي. فهي تشمل إطلاق حملات إعلامية واسعة عبر المنصات الرقمية، والتعاون مع منظمات مدنية، واستضافة مؤثرين في وسائل الإعلام العالمية، وإنشاء وحدات متخصصة داخل وزارة الخارجية مهمتها إدارة الخطاب العالمي، والعمل على إعادة تشكيل الصورة الذهنية للأحداث. كما تتضمن الاستثمار في المحتوى الثقافي والمعرفي، ودعم مراكز بحثية، والتوسع في التأثير داخل الفضاء الرقمي، بهدف بناء رواية متماسكة ومتكررة، تتحول مع مرور الوقت إلى مرجعية في الوعي الدولي.
إن هذه الاستراتيجية تعكس فهمًا عميقًا لحقيقة أساسية في علم السياسة: أن التاريخ لا يُكتب فقط بما حدث، بل بمن يملك القدرة على روايته. وأن الرواية الأكثر انتشارًا، مع الزمن، تصبح هي الرواية الأكثر تصديقًا، حتى لو لم تكن الأكثر دقة.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة.
فما تسعى إليه إسرائيل ليس فقط الدفاع عن سياساتها، بل إعادة تشكيل الذاكرة نفسها. إنها تعمل على تحويل الرواية إلى أداة استراتيجية، وعلى استثمار الموارد المالية والمؤسسية لضمان أن يُعاد تقديم الأحداث بما يخدم تثبيت وجودها، وتبرير سياساتها، وإعادة تفسير التاريخ ضمن إطار يخدم رؤيتها. وهذا ما يمكن تسميته، بلغة السياسات العامة، إدارة منهجية للذاكرة.
في المقابل، يواجه العالم العربي تحديًا مختلفًا، لا يتمثل في غياب الحقيقة، بل في ضعف تحويل هذه الحقيقة إلى سردية مؤسسية راسخة. فجزء كبير من التجربة العربية، والأردنية، والفلسطينية، لا يزال موزعًا بين الذاكرة الفردية، والشهادات غير الموثقة، والكتابات المتفرقة، دون إطار مؤسسي شامل يحفظها ويحولها إلى مرجعية معرفية متماسكة.
وهذا ما يخلق ما يمكن وصفه بـ«الفراغ السردي».
والفراغ السردي، في تحليل السياسات، لا يبقى فراغًا طويلًا. بل يُملأ دائمًا. وإذا لم يُملأ بالرواية الأصلية، فسيُملأ برواية بديلة، قد تصبح مع مرور الزمن هي المرجعية السائدة. وهذا ليس افتراضًا نظريًا، بل مسارًا أثبتته تجارب الشعوب عبر التاريخ.
من هنا، تصبح السردية الأردنية ضرورة استراتيجية، لا مجرد مشروع ثقافي. فالأردن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخ المنطقة، بل كان شاهدًا، وفاعلًا، وجزءًا من السياق الذي تشكلت فيه التحولات الكبرى. وعلى أرضه، وفي ذاكرته، وفي مؤسساته، توجد شهادات وتجارب لا يجوز أن تبقى عرضة للنسيان، أو أن تُترك دون توثيق علمي ومنهجي.
كما أن السردية الأردنية لا يمكن فصلها عن السردية الفلسطينية والعربية الأوسع، لأن هذه السرديات تشكل في مجموعها ذاكرة مشتركة، وسياقًا تاريخيًا مترابطًا. وإن كتابة هذه السرديات، وتوثيقها، ونشرها، ليس فعل مواجهة إعلامية، بل فعل حماية للذاكرة، وضمان لأن تبقى الحقيقة محفوظة للأجيال القادمة.
إن التراخي في كتابة السردية لا يمثل حيادًا، بل يمثل خسارة صامتة. لأن الأمم التي لا تكتب تاريخها، تترك الآخرين يكتبونه عنها. ومع مرور الزمن، قد تجد نفسها أمام رواية راسخة لم تكن هي من كتبها، لكنها أصبحت هي الرواية السائدة.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد رد فعل، بل سياسة واعية، تقوم على تشجيع البحث العلمي، ودعم التوثيق التاريخي، وتعزيز دور الجامعات ومراكز الأبحاث، وتمكين الكتاب والمؤرخين والإعلاميين والشعراء ،والاكاديميين من أداء دورهم في حفظ الذاكرة الوطنية.
إن معركة الوعي ليست شعارًا، بل واقعًا. وهي معركة لا تُحسم بالقوة، بل بالمعرفة. ولا تُحسم بالصمت، بل بالكتابة. ولا تُحسم برد الفعل، بل ببناء سردية علمية راسخة، موثقة، وممتدة عبر الزمن.
فالدول التي تستثمر في سرديتها، تستثمر في مستقبلها.
والأمم التي تحفظ ذاكرتها، تحمي حقها في التاريخ.
أما الأمم التي تتراخى، فإنها تخاطر بأن تجد نفسها، بعد عقود، أمام تاريخ لم تكتبه، وذاكرة لم تصنعها، ورواية لا تمثلها.
ولهذا، فإن السردية الأردنية الآن تعتبر ضرورة وطنية، ومسؤولية تاريخية، وواجبًا تجاه الاجيال القادمة.