facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دردشة تاريخية: الدوافع السوفييتية لقيام الدولة اليهودية


د. أمين محمود
11-01-2026 09:55 PM

فوجئ العالم وهو يستمع الى خطاب أندريه غروميكو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدهشة واستغراب، وبعد عقود من التنديد السوفييتي بإسرائيل، يتحدث عن "الحقوق المشروعة للشعب اليهودي في فلسطين" وعن تأييده لقرار التقسيم وعن حق اليهود المشروع في إقامة دولة لهم على أرض فلسطين، وكان تبريرهذا الموقف السوفييتي الداعم لانشاء الدولة اليهودية ما ورد على لسان أندريه غروميكو نفسه "بالنسة لنا هناك دوما منطق واحد في سياستنا الخارجية وهو منطق ماهو الأفضل للاتحاد السوفييتي"، فما هو يا ترى الأفضل للاتحاد السوفييتي الذي حدا به للوقوف الى الجانب الإسرائيلي خلال الفترة بين عامي 1947-1948؟ وما هي دوافع هذا الموقف الذي جاء مثيرا للدهشة والاستغراب!.

لعل من أهم تلك الدوافع اعتقاد السوفييت بأن المجتمع اليهودي في فلسطين "بملامحه الاشتراكية البارزة" سيكون حقلا سهلا لانتشار الشيوعية ودوران الدولة الجديدة في فلك السياسة السوفييتية. وقد أشار العديد من المحللين الى أنه كان لا بد للتوجهات الاشتراكية للمهاجرين اليهود الذين قدموا لفلسطين من دول الكتلة الشرقية أن يكون لها تأثير كبير على مستقبل العلاقات السياسية بين الاتحاد السوفييتي والدولة اليهودية.

ومثل هذه التوجهات المشتركة سواء من ناحية المستوى السياسي أو من ناحية القدرات الإنسانية، ستخلق منذ بداية تأسيس هذه الدولة ارتباطا وتواصلا بين شعوب كل من الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية من جانب والمهاجرين اليهود الى فلسطين من جانب آخر.

والواقع أن هؤلاء المهاجرين الذين وفدت غالبيتهم من روسيا وأوروبا الشرقية تمكنوا من تشكيل طبقة عاملة نشطة في فلسطين، كما تمكنوا من تعزيز أواصر الترابط والتواصل مع وطنهم الأصلي مما كان له أكبر الأثر في تسهيل عملية اعتراف دول الكتلة الشرقية بالدولة اليهودية فور إعلانها عام 1948 وقد عقد الاتحاد السوفييتي اّمالا عراضا على احتمال أن تصبح هذه الدولة الجديدة ذات الميول الاشتراكية واحة للديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط لا سيما وأنها كانت تعترف قانونيا بالحزب الشيوعي وتسمح له بممارسة نشاطاته علنا وبمنتهى الحرية، وفي المقابل لم يكن للاتحاد السوفييتي أي علاقات ذات قيمة تذكر مع أي من الدول العربية باستثناء علاقاته مع الأحزاب الشيوعية فيها والتي كانت في مجملها أحزابا محظورة ومضطهدة باستثناء الحزب الشيوعي اللبناني الذي لم يكن له شأن في الحياة العامة، كما كان للسوفييت قناعة بأن الأحزاب الإسرائيلية بما فيها تلك التي كان لها برامج اشتراكية يسارية ستكون نواة للهيمنة الاشتراكية على المنطقة وبمقدورها أن تتيح للاتحاد السوفييتي فرصة الانخراط في شؤونها، والقيام بدور مؤثر في توجهاتها.

وكان مما عزز هذه القناعة لدى السوفييت تشكيل حزب مابام الذي كان يمثل الجناح الاشتراكي اليساري بين الأحزاب الإسرائيلية، والذي كان السوفييت يدركون مدى قوته وخاصة بين المنظمات العسكرية الإسرائيلية مما جعلهم يأملون أن يصمد هذا الحزب ويصل الى دفة الحكم.

ولعل هذا ما أدى الى تشجع السوفييت ودول المعسكر الشرقي الى تقديم المزيد من الدعم العسكري والسياسي الى الدولة اليهودية , وكان لظهور هذا الحزب تبرير مقنع لتقديم هذا الدعم من الأوساط السوفييتية ومعسكرها على أمل أن يشد هذا الحزب من أزر باقي الأحزاب التي تتبنى التوجهات الاشتراكية ويتولى قيادتها من أجل نشر وترسيخ الاشتراكية في المنطقة.

ويبدو أن قرار السوفييت تأييد قيام دولة إسرائيل كان قرارا تكتيكيا أكثر منه سياسيا بيد أنه كان متفقا مع السياسة الشاملة الرامية الى التعرف على مرشحين ذوي توجهات اشتراكية في البلدان النامية وذلك في وقت مبكر ومساعدتهم وتوجيههم ضمن مسارات اشتراكية واضحة. وكان الاتحاد السوفييتي يأمل أن تقوي توجهات إسرائيل الاشتراكية من النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط، كذلك كان يأمل أن تصبح إسرائيل بسياستها الاشتراكية مثالا تحتذي به أقطار أخرى في المنطقة، لا سيما في أعقاب الانتصارات التي حققتها في المجالات العسكرية والسياسية.

وكان السوفييت يدركون أن الدولة اليهودية الجديدة تعتمد في بقائها الى حد كبير على استمرار تدفق هجرات اليهود السوفييت اليها. ونظرا لوجود النسبة الكبرى من يهود العالم ضمن الكتلة السوفييتية فقد بدا للسوفييت أن بمقدورهم استثمار هذا العدد الكبير من اليهود في أراضيها كقوة ضغط سياسية للتأثير على حياد الدولة اليهودية واستقطابها الى جانبهم، كما أنه بدا لهم أن بإمكانهم استخدام المهاجرين اليهود السوفييت الى إسرائيل كحصان طروادة لتهريب عناصر شيوعية موالية لموسكو الى الشرق الأوسط.

ومما شجع السوفييت على اتخاذ قرارهم المؤيد لإسرائيل كون معظم قادتها اّنذاك من أصل روسي أو بولندي مما زاد من احتمالات تبنيها سياسة متعاطفة ومؤيدة للاتحاد السوفييتي، لا سيما وأن خلفية العديد من هؤلاء القادة كانت تشبه خلفية زعماء الكتلة الشيوعية، حيث أن كلا الخلفيتين كانتا مستمدتين من البيئة الاقتصادية والاجتماعية نفسها.

ومن ناحية أخرى يعزو بعض المحللين أهم الدوافع التي أدت الى تقبل فكرة الدولة اليهودية بسهولة والمبادرة الى دعمها والاعتراف بها الى نجاح الإسرائيليين في تحويل قضية المحرقة (الهولوكوست) التي تعرض لها اليهود على يد النازيين الألمان الى خطاب شعبي يبررون بها حقهم الكامل في اخراج دولة يهودية الى حيز الوجود. كما استغلوا المحرقة أيضا لترسيخ "عقدة الذنب" في ضمير المجتمع العالمي بحجة تقاعسه عن مد يد العون الى اليهود لانقاذهم من اضطهاد النازيين وقاموا بتوجيه الاتهامات لكافة الدول الأوروبية بأنها تواطأت وشاركت في المحرقة التي تعرض لها اليهود، ولعل هذا كان كفيلا بتوليد القناعة لدى السوفييت بأن مبادرتهم لدعم قيام الدولة اليهودية ستساهم بطريقة عملية في تحرير الضمير السوفييتي من عقدة الذنب تجاه اليهود ويضع مسؤولية التقصير كاملة على كاهل الدول الغربية وخاصة بريطانيا وألمانيا.

وقد كان للاتحاد السوفييتي كل الحق في أن يدعي أسوة بالولايات المتحدة أنه كان له فضل كبير في اخراج أسرائيل الى حيز الوجود وذلك باتخاذه خلال تلك الفترة الحرجة من تأسيسها موقفا داعما يتضمن السماح لمئات الألوف من اليهود السوفييت ويهود أوروبا الشرقية بالهجرة الى فلسطين، إضافة الى صفقات الأسلحة بمختلف أنواعها والتي تم تدريب وتزويد المهاجرين اليهود بها لاستخدامها في حربهم ضد عرب فلسطين. بالرغم من كون المصدر الرئيسي لهذا الدعم المتمثل بالهجرات والسلاح كان يتم في بادىء الأمر عن طريق أوروبا الشرقية الا أنه من الواضح أن هذا الدعم ما كان ليتم لولا موافقة السوفييت ومباركتهم له.

وجاء التبرير السوفييتي لهذا الدعم اللوجستي للدولة اليهودية بحجة أن الوسط العربي كانت تسيطر عليه كيانات مجزأة ومتصارعة خاضعة للنفوذ الغربي وخاصة البريطاني والفرنسي، وبالتالي لم تترك هذه الهيمنة الغربية أي منفذ للاتحاد السوفييتي يعبر من خلاله لمنطقة الشرق الأوسط سوى المنفذ الإسرائيلي الذي ولد القناعة لدىه بأن هذا المنفذ سيتيح للسوفييت استغلال الأوضاع المضطربة في الشرق الأوسط للسعي بشتى الوسائل الممكنة لانهاء الوجود البريطاني في المنطقة بمجملها.

وعلى أية حال فانه بالرغم من أهمية وحيوية الدور الذي قام به الاتحاد السوفييتي في تسهيل إقامة الدولة اليهودية الا أنه لم تمض بضعة شهور على اعترافه بها حتى بدأت بوادر التغيير تطرأ على العلاقات السوفييتية الإسرائيلية وأخذ السوفييت يتعاملون مع إسرائيل بتحفظ وينظرون بقلق الى تطور الأحداث الداخلية فيها التي أدت الى تهميش دور الحزب الشيوعي الإسرائيلي وبروز قيادة إسرائيلية منحازة للامبريالية الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وما لبثت هذه العلاقات أن ازدادت سوءا شيئا فشيئا حتى وصلت الى مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، واستمرت هذه القطيعة حوالى ستة شهور عادت بعدها الى مرحلة جديدة اتسمت بسياسة سوفييتية عمادها التوازن الحذر وملتزمة بثوابت محددة تؤمن لها مصالحها على نحو يتلاءم والظروف التي يمر بها الاتحاد السوفييتي في كل مرحلة من مراحل تاريخه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :