الأمر الغريب أن يتكرر نفس السيناريو الذي حدث خلال الحرب الجديدة، التي شنتها اسرائيل والولايات المتحدة على ايران يوم 28 شباط الماضي، حيث بدأت الحرب باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي ومعه عشرات القادة العسكريين والمدنيين، في ضربة واحدة خلال اجتماع كان يترأسه خامنئي، وهو نفس السيناريو الذي حدث في حرب الاثنى عشر يوما التي وقعت في شهر حزيران – يونيو العام الماضي 2025، حيث بدأت تلك الحرب بتصفية قيادات عسكرية وعلماء نوويين من أول ضربة!.
وأكثر من ذلك، وهذه مفارقة أخرى، فقد بدأت حرب حزيران 2025، خلال عملية المفاوضات بين واشنطن وطهران حول الملف النووي، وتكرر نفس المشهد خلال الحرب الجديدة العام الحالي 2026، حيث كانت المفاوضات النووية متواصلة بين الطرفين، وحدد موعد جديد لها خلال الاسبوع الحالي!
واللافت أيضا أن صورة خامنئي بعد مقتله وهو تحت الانقاض، وصلت أيضا الى الحكومة الاسرائيلية، وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعني أن هناك اختراقا بشريا سرب تلك الصورة الى اسرائيل!.
ويبدو أن نظام الملالي فقد أعصابه ووصل الى حالة هستيرية غير مسبوقه، فقد استهدف بصورايخه الباليستية، جميع دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، الكويت، الامارات، البحرين ، قطر) حتى سلطنة عمان التي كانت تقود الوساطة بين واشنطن ونظام الملالي، لم تسلم من المسيرات التي أرسلتها ايران وقصفت أحد موانئها، واستهدفت الصواريخ مواقع مدنية مناطق سكنية ومطارات رغم زعم نظام الملالي، أن هدف الصواريخ كان القواعد الأميركية في المنطقة، والمفارقة أن جميع دول الخليج العربية كانت تدفع باتجاه تجنب وقوع حرب جديدة ضد ايران، لكن يبدو أن نظام الملالي لم يستوعب الدرس!
والمفارقة العجيبة أيضا أن نفس السيناريو وقع، عندما اغتالت اسرائيل حسن نصر الله القائد السابق لحزب الله اللبناني، حيث علمت الاستخبارات الاسرائيلية بمكانه، في مبنى تحت الأرض بعدة طوابق في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت، وهكذا حدث بالنسبة لخليفته المنتظر هاشم صفي الدين، وعشرات القادة العسكريين والسياسيين لحزب الله من الصف الأول والثاني والثالث، وهو ما يؤشر أيضا لوجود اختراق بشري كبير داخل أوساط حزب الله، سرب معلومات مهمة عن مكان وجود قادته!
وأريد هنا استعارة مصطلح ينسب الى الراحل حسن نصر الله، وجاء في سياق تهديد لاسرائيل، حيث اعتبر ان دولة الاحتلال تقف "على ركبة ونص"! خشية اجتياح قوات حزب الله لمنطقة الجليل الواقعة شمال فلسطين المحتلة، وأظن أن هذا الاصطلاح صالح للاستخدام خلال هذه الأيام، في وصف حالة الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى، أو بصورة أدق فإن العالم يقف على رؤوس أصابعه بانتظار نتائج هذه الحرب!.
وكان واضحا لمن لديه حد أدنى من القراءة السياسية، أن الحشود البحرية الأميركية الهائلة، التي تتضمن حاملتي طائرات عملاقة، هما "جيرالد فورد" التي وصلت الى ميناء حيفا شمال اسرائيل، وحاملة طائرات "أبراهام لينكولن" والحاملتان تستوعبان ما يقارب 180 طائرة مقاتلة من طرازات مختلفة بما في ذلك المروحيات، بالإضافة إلى نشر طائرات من طراز إف-22 في إسرائيل، كجزء من تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، فضلا عن نشر ما لا يقل عن 14 طائرة تزويد بالوقود تابعة لسلاح الجو الأمريكي وصلت الى اسرائيل، استعدادا للهجوم على إيران وكل هذه الحشود لم تحضر الى المنطقة للسياحة!.
وقد صرح الرئيس الأميركي ترامب نفسه، خلال خطاب حالة الاتحاد يوم الثلاثاء الماضي، قائلاً: "هناك شيء واحد مؤكد: لن أسمح أبداً لأكبر راعٍ للإرهاب في العالم بامتلاك سلاح نووي، لا يمكن السماح بحدوث ذلك لا ينبغي لأي أمة أن تشك أبداً في عزيمة أمريكا"، هكذا حذر "لدينا أقوى جيش على وجه الأرض"، ومع ذلك لم يفهم النظام الايراني الرسالة!.
وكانت أميركا واسرائيل تلوّحان منذ أسابيع بتنفيذ عمل عسكري ضد إيران، لإجبارها على التخلي عن برنامجيها النووي والصاروخي وعن وكلائها بالمنطقة، وهم الميليشيات التي صنعتها ودربتها وسلحتها ايران.
رغم القوة العسكرية الأمريكية الهائلة، فإن الحملة على إيران لا تزال تطرح تحديات معقدة، ومع تضاؤل آفاق تحقيق انفراجة دبلوماسية بشكل كبير، فان الحرب الجديدة ضد إيران بدأت وهي في يومها الثالث.
رغم ما كان يكرره الرئيس ترامب عن تفضيله للدبلوماسية والمفاوضات، ولقاء نائبه فانس مع وزير خارجية عمان لتشجيعه على مواصلة المفاوضات، وما قاله وزير الخارجية الأميركي روبيو، في التأكيد أن الدبلوماسية لا تزال هي الخيار المفضل للرئيس ترامب، لكن يبدو أن لا أحد يقرأ في طهران، ولا حديث هناك غير تكرار التمسك بالثوابت والايدولوجيا الجامدة!.
"الرأي"