اسم الحزب السياسي وفق أحكام القانون
المحامي د. معاذ وليد ابو دلو
03-03-2026 01:40 AM
يشكل الحق في تأليف الأحزاب السياسية أحد أبرز تجليات المشاركة السياسية في الدولة الحديثة، وهو تعبير عملي عن مبدأ التعددية السياسية الذي يقوم عليه البناء الدستوري ونظام الحكم الديمقراطي.
وقد حرص الدستور الأردني على تكريس هذا الحق ضمن إطار يوازن بين حرية التنظيم السياسي ومتطلبات حماية النظام الدستوري، فجاء النص واضحاً في المادة (16) من الدستور التي منحت الأردنيين حق تأسيس الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية ضمن ضوابط محددة.
نصت الفقرة الثانية من المادة (16) على أن: «للأردنيين حق تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية على أن تكون غايتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف أحكام الدستور».
ويستفاد من هذا النص أن المشرع الدستوري لم يقر الحق بصورة مطلقة، وإنما قيده بقيود موضوعية تتعلق بمشروعية الغاية وسلمية الوسائل وعدم مخالفة النظام الداخلي لأحكام الدستور. وهذه القيود لا تعد انتقاصاً من الحرية السياسية، بل تمثل ضمانة دستورية لعدم انحراف العمل الحزبي عن الإطار الوطني والدستوري وتغول لون سياسي على آخر.
كما أكدت الفقرة الثالثة من المادة (16/3) ذاتها أن تنظيم طريقة تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية ومراقبة مواردها يترك للقانون، وهو ما يعكس منهج المشرع الدستوري في الإحالة إلى التشريع العادي لضبط التفاصيل الإجرائية والتنظيمية.
وتجسدت هذه الإحالة في قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022، الذي جاء في سياق نتاج مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وبهدف واضح يتمثل في تعزيز دور الأحزاب في الحياة العامة وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية المنظمة، والمشاركة بالحكم، ولن أخوض بما يظهر لنا من نتائج ظاهرة لعملية التحديث السياسي حتى هذا التاريخ.
من جهة فرض متطلبات الحوكمة والشفافية والالتزام الدستوري، فالمشرع لم يكتف بإقرار الحق، بل وضع إطاراً رقابياً يضمن أن تمارس الأحزاب نشاطها ضمن حدود المشروعية الدستورية والقانونية، وهو توجه يتفق مع ما استقر عليه الفقه الدستوري المقارن في أغلب الدول التي تتبنى التعددية الحزبية.
وفي هذا السياق، منح الدستور والقانون الهيئة المستقلة للانتخاب صلاحيات رقابية على الأحزاب السياسية، بما في ذلك متابعة التزامها بأحكام القانون وأنظمتها الداخلية.
وخلال الأشهر الماضية، قامت الهيئة بمخاطبة عدد من الأحزاب السياسية بضرورة التقيد بمتطلبات الحوكمة وإجراء التعديلات اللازمة على أنظمتها الداخلية وتصويب المخالفات القائمة للقانون.
وقد تباينت استجابة الأحزاب، فمنها من بادر إلى التصويب الكامل، ومنها من استجاب جزئياً، ومنها من لم يتقيد بالإشعارات والكتب المرسلة.
ومؤخراً، قامت الهيئة، استناداً إلى صلاحياتها الدستورية وإلى أحكام قانون الأحزاب السياسية، بتوجيه إخطار إلى حزب جبهة العمل الإسلامي بضرورة تصويب المخالفات لديه خلال مدة ستين يوماً من تاريخ الإخطار، وذلك وفقاً للمادة (33) من القانون التي نصت على ذلك صراحة.
المشرع الأردني تبنى نهجاً متدرجاً يقوم على منح الحزب فرصة لتصويب المخالفة قبل الانتقال إلى الجزاءات الأشد التي قد تؤدي الى وقف عمل الحزب، وهو نهج ينسجم مع حماية الحرية الحزبية ويعكس فلسفة قانونية تقوم على تصويب الأوضاع قبل فرض العقوبات.
غير أنه من زاوية قانونية والتي يتبناها كاتب هذا المقال، كان الأجدر من حيث المثالية التطبيقية أن تفعل أحكام القانون فور دخوله حيز النفاذ وضمن الأطر الزمنية التي رسمها ووفق أحكامه بالمواد (40 و 11)، إلا أن التأخر في التطبيق، مهما طال، لا ينشئ مركزاً قانونياً مكتسباً للمخالف، ولا يمنع الجهة المختصة من ممارسة صلاحياتها متى كان النص نافذاً والقانون ساريا.
ومن بين المسائل التي أثيرت في هذا الإطار مسألة مدى توافق اسم الحزب مع أحكام القانون والتي ترى الهيئة بأنه مخالف لأحكام المادة (5/ب) من قانون الأحزاب السياسية رقم) 7 (لسنة 2022، والتي نصت على أنه «لا يجوز تأسيس الحزب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية، ولا على أساس التفرقة بسبب الجنس أو الأصل».
وتثور هنا مسألة قانونية دقيقة تتعلق بما إذا كان اسم الحزب يعد جزءاً من البنية القانونية الخاضعة والتابعة لهذا الحظر أم لا، والراجح فقهياً وقانونياً أن اسم الحزب يشكل عنصراً أصيلاً وجزءا من نظامه الداخلي وهويته القانونية، ويخضع لرقابة المشروعية ذاتها التي تخضع لها باقي هيكلة الحزب التنظيمية (النظام الأساسي).
أما من حيث الآثار القانونية لعدم الامتثال والتصويب، فإن قانون الأحزاب رسم مساراً تصاعدياً واضحاً، يبدأ بالتنبيه والإخطار الرسمي، ثم قد يتدرج إلى وقف أعمال الحزب وفقا للمادة (34) من القانون، وصولًا إلى إحالة الأمر إلى القضاء من خلال محكمة البداية الذي يملك وحده سلطة إصدار حكم قطعي بحل الحزب وفقاً لأحكام المادة (35)، وهنا يعد اشتراط الحكم القضائي ضمانة جوهرية لحماية التعددية السياسية ومنع التعسف في استخدام سلطة الحل من قبل أي جهة.
في المقابل، يبقى للحزب كامل الحق في سلوك طرق الطعن والدفاع التي يكفلها الدستور والقانون، وقد يستند في ذلك إلى تفسيرات دستورية أو قانونية يرى أنها تسند موقفه في الإبقاء على اسمه أو نظامه الداخلي، غير أن الحسم النهائي في مثل هذه المنازعات يظل بيد القضاء المختص، الذي يوازن بين نصوص القانون ومبادئ الدستور.
المنظومة الدستورية الأردنية قامت على معادلة دقيقة تجمع بين كفالة حرية العمل الحزبي وضمان خضوعه لسيادة القانون الذي ينظم عمله، وتفعيل النصوص الرقابية، متى تم في إطارها القانوني السليم، لا يعد تضييقاً على الحياة الحزبية بقدر ما هو تنظيم لها وضمان لانسجامها مع الثوابت الدستورية ما دام يطبق على جميع الأحزاب دون استثناء.
"الغد"