facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل يكفي إصلاح القمة إذا كانت قاعدة الهرم متعبة؟


لانا ارناؤوط
12-01-2026 01:44 AM

في اللقاء الذي بثّه التلفزيون الأردني مع دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، يلفت الانتباه ذلك الإصرار الهادئ على الاقتراب من الناس عبر الزيارات الميدانية المتكررة، لا بوصفها “استعراض حضور”، بل باعتبارها طريقة إدارة: تفقد الواقع كما هو، والعودة إلى الملفات الأساسية التي لا تُبنى الدول من دونها وفي قلب هذا الخطاب يبرز تركيز واضح على التعليم والصحة بوصفهما عمودين حاملين لأي نهضة اجتماعية واقتصادية هذا المعنى تكرّر أيضًا في تغطيات رسمية وإعلامية لزياراته التي شملت مرافق صحية وتعليمية ومشاريع مجتمعية في أكثر من محافظة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أي حديث عن “التعليم والصحة”: هل يبدأ الإصلاح من هنا فقط؟ وهل تكفي إرادة شخص—مهما كان صادقًا ومجتهدًا—لإصلاح مجتمع كامل؟.

الإصلاح الحقيقي لا يشبه قرارًا إداريًا ولا يُختزل في جولة ميدانية، بل هو عملية طويلة تُحَوِّل “الأولوية” إلى “نظام” ثم إلى “ثقافة” قد ينجح المسؤول في بناء مدرسة جديدة، وقد تُحدَّث مستشفى أو يُرفَع مستوى الخدمة، لكن ماذا بعد؟ إذا دخلنا مدرسة جميلة ثم وجدنا سلوكًا يوميًا يستهين بالممتلكات العامة، ويلغي قيمة المكان، ويحطم ما بُني؛ فسنكون قد بنينا جدرانًا بلا وعي… وفتحنا أبوابًا بلا مسؤولية عندها يصبح البناء نفسه جهدًا ضائعًا، لأن الفكرة لم تُبنَ في الإنسان قبل أن تُبنَى في الحجر.

هنا نعود إلى “قاعدة الهرم”. المجتمع لا يُصلَح من رأسه فقط؛ لأن الرأس مهما استقام لا يستطيع وحده أن يعوض تراكمات السلوك في القاعدة القاعدة هي الأسرة، والمدرسة، والحي، والطفل الذي يتشكل وعيه يومًا بعد يوم وإذا كنا نريد إصلاحًا مستدامًا لا يُكسر مع أول أزمة اقتصادية أو أول موجة إحباط، فإن “الاستثمار” الأكثر عقلانية ليس في الإسمنت وحده، بل في بناء الإنسان، وبالذات بناء الطفل في سنوات التكوين الحسّاسة.

الدراسات العالمية لا تقول إن البناء المادي غير مهم، لكنها تقول بوضوح إن المجتمعات تتحسن عندما تلتقط لحظة التشكّل النفسي والاجتماعي، وتبني المهارات والقيم والسلوكيات في سن مبكرة، ثم تواصل البناء خلال سنوات المدرسة فعلى سبيل المثال، هناك أدلة قوية من برامج تربوية مبكرة شهيرة تابعت الأطفال حتى سن الرشد وأظهرت آثارًا طويلة الأمد على التعليم، والصحة، والسلوكيات الحياتية—ومن أبرزها “Perry Preschool” و “Abecedarian” هذه الأدلة لا تتحدث فقط عن درجات مدرسية أعلى، بل عن مسارات حياة أكثر استقرارًا، وصحة أفضل، وسلوك أقل خطورة لاحقًا.

وإذا انتقلنا إلى الفئة العمرية التي ذكرتِها تحديدًا (من 5 إلى 12 عامًا)، فهذه المرحلة هي قلب المدرسة الابتدائية، حيث تتشكل عادات التعلم والانضباط، وتتكون المهارات الاجتماعية والانفعالية: ضبط النفس، احترام الآخر، حل النزاعات، الشعور بالانتماء، وتقدير الممتلكات العامة وفي هذا المجال، تُعد برامج “التعلم الاجتماعي والانفعالي” داخل المدارس من أكثر التدخلات التي تمت دراستها عالميًا أشهر تحليل تجميعي (Meta-analysis) شمل مئات البرامج المدرسية على نطاق واسع خلص إلى أن برامج SEL حسّنت المهارات الاجتماعية والانفعالية والسلوك والتحصيل الدراسي بشكل ملحوظ، وأن تنفيذها بواسطة طواقم المدرسة نفسها ممكن وفعّال—أي أنها ليست “ترفًا” ولا تحتاج معجزات، بل منهجية قابلة للتطبيق وتؤكد تحليلات أحدث أن هذه البرامج ترتبط أيضًا بتحسن في مناخ المدرسة والشعور بالأمان والاندماج، وهي عوامل لها علاقة مباشرة بسلوك الطالب تجاه المدرسة وممتلكاتها وقواعدها.

المغزى: حين نقول “إصلاح التعليم”، لا يكفي أن نعني عدد المدارس الجديدة، بل نوع التربية اليومية داخل المدرسة: كيف نُدرِّب الطفل على أن المدرسة “بيته الثاني” فعلًا، وكيف نفهم أن تخريب المقعد أو كسر النافذة ليس فعلًا عابرًا، بل مؤشر على فجوة قيمية في احترام الحق العام وحين نقول “إصلاح الصحة”، لا يكفي أن نعني جهازًا حديثًا أو توسعة قسم، بل صحة الإنسان النفسية أيضًا: الوعي الصحي، والوقاية، والسلوك المسؤول، والإحساس بالكرامة داخل الخدمة.
أما سؤال “هل يكفي جهد شخص؟” فالإجابة الواقعية: لا لكنه قد يكون الشرارة التي تُحوِّل الفكرة إلى عقد اجتماعي جديد إذا تحولت إلى سياسات ثابتة، ومسارات متابعة، ومسؤوليات واضحة موزعة على: المدرسة، والأسرة، والإعلام، والمجتمع المحلي، والبلديات، والمؤسسات الرقابية حينها يصبح جهد الشخص قيادة اتجاه، لا حمل دولة على كتف واحد.

والخلاصة التي يليق أن نقولها بصدق: التركيز على التعليم والصحة صحيح لأنه يمس الإنسان مباشرة، لكنه لا يكتمل إلا بإصلاح القاعدة: بناء الطفل على القيم والمهارات والسلوك، وبناء المدرسة كمنظومة تربية لا كغرف صفية فقط عندها يصبح بناء المدارس استثمارًا لا يتآكل، ويصبح إصلاح المجتمع نتيجة طبيعية لتربية يومية طويلة… لا مجرد قرار فوقي مهما كان نبيلاً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :