حرب مفتوحة مع الجوار… نارٌ لا تخدم إلا إسرائيل
محمد مطلب المجالي
05-03-2026 04:02 PM
في منطقةٍ لم تبرأ بعد من جراح الحروب والصراعات، يلوح في الأفق حديثٌ مقلق عن احتمالات فتح حربٍ مفتوحة مع دول الجوار. ومثل هذا السيناريو، إن وقع، لن يكون في مصلحة أحد، وبخاصة دول الخليج العربي التي أدركت بعد عقودٍ من الأزمات أن الاستقرار هو الطريق الأقصر إلى التنمية، وأن الأمن الإقليمي لا يُبنى على صليل السيوف بل على جسور التفاهم.
إن تكوينة دول الخليج العربي، رغم ما تمتلكه من إمكانات مالية واقتصادية كبيرة، وطموحات تنموية واسعة، تجعلها أكثر ميلاً إلى الاستقرار لا إلى المغامرات العسكرية. فهذه الدول قامت على منظومة اقتصادية وتجارية مفتوحة على العالم، تعتمد في ازدهارها على الأمن والاستقرار وتدفق الاستثمارات وحركة التجارة والطاقة، وهي عوامل لا تزدهر في أجواء الحروب والصراعات.
كما أن طبيعة تركيبتها الجيوسياسية والاقتصادية تجعلها غير مؤهلة للدخول في جولات عسكرية طويلة أو حروب مفتوحة مع الجوار، لأن مثل هذه المواجهات تستنزف الموارد، وتربك المشاريع التنموية، وتضع المنطقة كلها أمام مخاطر يصعب التنبؤ بنتائجها.
لقد اختارت دول الخليج خلال العقود الأخيرة طريق البناء والتنمية، ونجحت في تحويل مساحات من الصحراء إلى مراكز اقتصادية عالمية وموانئ تجارية مؤثرة في الاقتصاد الدولي. ومن غير المنطقي أن تُغامر هذه الدول بما حققته من استقرار وازدهار في صراعات قد تعيد المنطقة إلى دوائر التوتر وعدم اليقين.
والتاريخ القريب يثبت أن الحروب في منطقتنا لا تنتهي بانتصار واضح بقدر ما تترك وراءها دماراً واسعاً وفاتورة ثقيلة يدفعها الجميع. فالمعارك حين تندلع لا تبقى محصورة في ساحاتها الأولى، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والمجتمع والأمن الإقليمي بأسره.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: من المستفيد من إشعال صراع واسع في المنطقة؟
إن القراءة السياسية الهادئة تشير إلى أن إسرائيل تبقى الطرف الأكثر استفادة من استمرار التوترات الإقليمية. فكلما انشغل المحيط العربي بصراعاته، ابتعدت الأنظار عن جوهر الصراع في المنطقة، وتراجعت القضايا الكبرى إلى الخلف.
إسرائيل تدرك أن استنزاف المنطقة بصراعات متلاحقة يضمن لها تفوقاً استراتيجياً طويل الأمد، ويجعل ميزان القوى يميل لصالحها، بينما تنشغل الدول الأخرى بإطفاء حرائق الأزمات المتلاحقة.
إن الحكمة السياسية اليوم تفرض على دول المنطقة أن تتعامل مع التوترات بعقل بارد وبحسابات دقيقة، لأن الانجرار إلى حربٍ مفتوحة لن يكون سوى مغامرة غير محسوبة العواقب، قد تشعل ناراً يصعب إطفاؤها.
لقد دفعت منطقتنا أثماناً باهظة من الحروب والصراعات، وما تزال شعوبها تتطلع إلى الاستقرار والتنمية، لا إلى جولات جديدة من المواجهة. فالحروب، مهما اختلفت عناوينها، تنتهي دائماً بنتيجة واحدة: أوطان مثقلة بالخسائر، وشعوب تتطلع إلى زمنٍ أكثر أمناً واستقراراً.
ولهذا تبقى الحكمة السياسية والوعي الاستراتيجي الطريق الأجدى لحماية المنطقة من الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، لأن الاستقرار ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة لحفظ الأوطان وصون مستقبل شعوبها.