جناية السردية والهروب من الحقيقة: كيف ظُلم الأردن في رواية النكسة؟
الدكتور عزمي حجرات
05-06-2026 07:12 PM
في الخامس من حزيران عام 1967، لم تكن الجغرافيا وحدها هي التي تعرضت للتمزيق والاحتلال، بل إن التاريخ نفسه جرى تزييفه تحت وطأة صدمة الهزيمة. ورغم مرور عقود على ما عُرف بـ "النكسة"، لا تزال بعض الأدبيات السياسية والشعبوية العربية تُحمل الأردن مسؤوليّة خسارة القدس الشرقية والضفة الغربية، في قراءةٍ قاصرة تتجاهل أبجديات العلوم العسكرية والواقع الجيوسياسي المعقد الذي فُرِض على عمان آنذاك.
إن إنصاف التاريخ يتطلب تفكيك هذه الرواية المشوهة، والبحث في العوامل الحقيقية التي جعلت من الأردن ضحية مرتين: مرةً بفقدان مقدساته وأراضيه، ومرةً بتحميله وزر فضل عسكري وسياسي لم يكن هو من هندسه.
لم يكن القرار الأردني بدخول الحرب نابعاً من رغبة في المغامرة، بل كان استجابةً لضغط قومي وشعبي هائل عصف بالمنطقة في أيار 1967. كان الأردن محاصراً بشعارات "الأنظمة الثورية" التي اتهمته بالتقاعس، ومحاطاً بغليان الشارع. ولتفادي عزلة سياسية وخطر داخلي، وقّع الملك الحسين بن طلال اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر في 30 ايار، ووضع جيشه حرفياً تحت قيادة عسكرية مصرية مشتركة يقودها الجنرال عبد المنعم رياض.
ومع أولى ساعات الفجر من يوم 5 حزيران، تحرك الجيش الأردني وقصف مواقع الاحتلال بناءً على "برقيات مضللة" وردت من القاهرة، تفيد بأن الطيران المصري يسحق المطارات الإسرائيلية ويتقدم نحو تل أبيب. كانت الحقيقة المرة أن سلاح الجو المصري قد دُمِّر بالكامل وهو على الأرض في أول ساعتين من الحرب.
عسكرياً، تُجمع القواعد الحربية على أن القوات البرية التي تتحرك دون غطاء جوي هي قوات محكوم عليها بالإبادة. وهذا تماماً ما حدث للجبهة الأردنية؛ فبعد تدمير الطيران المصري، تفرغ سلاح الجو الإسرائيلي بالكامل للقواعد الجوية الأردنية المحدودة (مثل المفرق وعمان) ودمرها بالكامل.
لم يكتفِ الأمر بذلك، بل إن الطعنة الكبرى للجيش الأردني جاءت من جبهة سيناء؛ حيث أصدر المشير عبد الحكيم عامر أمراً كارثياً بانسحاب عشوائي وارتجالي للقوات المصرية بدون خطة دفاعية. هذا الانسحاب لم يفرط بسيناء فحسب، بل كشف ظهر الجيش الأردني تماماً، وتفرغت ألوية الاحتلال بكامل قوتها الجوية والبرية للإطباق على القدس والضفة الغربية. ومع ذلك، لم يهرب الجندي الأردني، بل خاض معارك التحام دموية وجهاً لوجه بالسلاح الأبيض في "تل الذخيرة" ومحاور جنين ونابلس واللطرون، بشهادة قادة الجيش الإسرائيلي أنفسهم الذين ذُهلوا من استبسال الفوج الأردني.
تحالف الروايات: "صوت العرب" وأدبيات النضال
إذا كانت الحقائق العسكرية تبرئ الأردن تماماً وتؤكد استحالة الصمود البري في العراء، فلماذا استمرت فرية تحميله المسؤولية؟ الجواب يكمن في تحالف غريب فرضته المصالح السياسية عقب الهزيمة:
1. البروباغندا الثورية (الهروب من غضب الشارع): واجهت الأنظمة الثورية في مصر وسوريا مأزقاً وجودياً أمام شعوبها بعد أن وعدتها بالنصر الساحق. ولتصدير هذا الفشل وحماية عروشها من السقوط، تولت الآلة الإعلامية الضخمة آنذاك (وعلى رأسها إذاعة "صوت العرب" بقيادة أحمد سعيد) مهمة توزيع دماء الهزيمة، وتصوير الجبهة الأردنية على أنها انهارات سريعاً لتغطية خطيئة الانسحاب الكارثي من سيناء.
2. أدبيات النضال الفلسطيني (معركة الشرعية والوصاية): من رحم هزيمة 67 ولدت الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة (منظمة التحرير وفصائل المقاومة). وصَلت النخبة الفلسطينية إلى قناعة بأن الرهان على الأنظمة والجيوش الرسمية رهان خاسر. ولتأصيل شرعيتها وفصل المسار الفلسطيني عن المسار الأردني (بعد سنوات من وحدة الضفتين)، ركزت الأدبيات الثورية الفلسطينية على نقد مرحلة الإدارة الأردنية للضفة وسقوطها، معتبرة أن عجز الجيش الأردني هو الدليل على وجوب تبني "حرب التحرير الشعبية". وتعمق هذا النقد والعداء الأدبي بعد الصدام الدامي في أحداث أيلول عام 1970.
إن تحميل الأردن مسؤولية نكسة حزيران هو جناية سياسية على التاريخ؛ فالجيش الأردني لم يُهزم لقلة شجاعة أو لخيانات ميدانية، بل هُزم لأن قيادة المعركة القومية المشتركة كانت تدار بعقلية الشعارات والبروباغندا، لا بعقلية الحسابات العسكرية الدقيقة.
لقد دافع الأردن بدمائه عن القدس والضفة حتى الرمق الأخير، وتأكيداً على أن الجيش الأردني لم ينكسر نفسياً، استطاع هذا الجيش نفسه — بعد أقل من عام واحد — إعادة ترتيب صفوفه وإيقاع أول هزيمة تاريخية بالجيش الإسرائيلي في "معركة الكرامة" في آذار 1968. حان الوقت لتنقية أدبيات التاريخ العربي من "بروباغندا الأزمة" وإعطاء الجيش العربي الأردني حقه الذي سلبته إياه الماكنات الإعلامية.