أمي .. شجرة السند، ووريثة النخوة والشهامة
مجد جلال عباسي
05-03-2026 03:57 PM
أمي ما زالت ولم تكن مجرد امرأة عابرة في تفاصيل الأيام، بل هي قصة من النخوة الممتدة، وجذورٌ ضاربة في عمق الاصالة. هي النبتة الطيبة التي تربت في كنف جدي "عيد البديوي"، فنهلت من معينه الصافي مكارم الأخلاق، لتصبح لاحقاً الرفيقة الوفية، والسند العظيم لأبي؛ ذلك الرجل الذي طالما كان مدرسةً علّمت الكثيرين معاني الشهامة، والشجاعة، والمروءة.
"كن نشمياً أو لا تكن".. فلسفة الحياة ومسيرة المربية
لم يكن وعي أمي وحكمتها وليدي الصدفة؛ فقد نهلت من ينابيع العلم حين درست الفلسفة في دمشق العريقة. لكنها لم تكتفِ يوماً بنظريات الكتب، بل صاغت من الحياة فلسفتها الخاصة، والتي تتلخص في مبدأ وقرار واحد لا حَيْدة عنه: "كن نشمياً أو لا تكن".
هذه الفلسفة تجلت بأبهى صورها في مسيرتها المهنية كمعلمة ومديرة أخلصت لمهنتها وعشقتها بشغف. قاعاتها المدرسية لم تكن مجرد جدران لتلقين الدروس، بل كانت ميادين لغرس القيم. لقد أدارت المدارس والصفوف بعقل الفيلسوفة، وحزم الإدارة، وعاطفة الأم، لتجسد بحق كلمات الأغنية: "شكشكتني بالكرامة طرزتني بالكرم.. أنا أمي أردنية همها تربي زلم".
عطاءٌ كالغيث.. شريعة الحُب التي لا تَمُنّ
من أعظم خصال أمي، والتي تشبه نبع الماء الصافي الذي لا ينضب، أنها تعطي وتعطي بلا حدود، والأهم من ذلك كله أنها لا تَمُنّ أبداً بما قدمت. لم يكن عطاؤها يوماً مقترناً بانتظار رد الجميل، بل كان يتدفق بتلقائية وعفوية من بحر محبة عظيم تكنه في قلبها لأبنائها وأحفادها. هي تعطي لأنها تجد سعادتها في رؤيتنا بخير.
أفعال تسبق الأقوال في سنوات الشدة
في حياة كل إنسان محطات صعبة، وقد مررتُ بخمس سنوات من المعاناة القاسية التي أثقلت كاهلي. في تلك السنوات العجاف، حين كانت الرؤية ضبابية والأيام ثقيلة، جسدت أمي معنى: "حنا ترباية اكفوفك قوة قلوب وهمم". لم تكن تواسينا بالكلمات فحسب، بل تُرجم حبها إلى أفعال ومواقف لا ينساها الزمن:
• سند البدايات: أذكر جيداً يوم التحق ابني بعمله؛ كان بحاجة ماسة إلى سيارة تعينه على شق طريقه. وفي غمرة انشغالي بظروفي، انبرت هي كعادتها، وأرسلت له ثمن السيارة الجديدة كاملاً. لم تكن تشتري له مركبة، بل كانت تعبّد له طريق المستقبل وتمنحه الثقة.
• ضمان المستقبل: ولأن قلب الأم وعين الجدة يريان ما وراء الحاضر، وخوفاً منها على مستقبل أبنائي في ظل معاناتي، أقدمت على خطوةٍ لا يفعلها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. لقد سجلت طابقاً كاملاً باسم أبنائي، تتجاوز قيمته النصف مليون دولار، لتضمن لهم استقراراً وأماناً لا تهزه تقلبات الأيام.
أصالة المعدن وامتداد الأثر
هذه المواقف ليست سوى قطرات في بحر من العطاء .
أمي.. لكِ تنحني الهامات إجلالاً. لقد كنتِ النور في أشد سنواتي ظُلمة.
حفظكِ الله تاجاً على رؤوسنا، ومدرسةً نتعلم منها كل يوم أن العطاء بلا مَنّ هو أسمى درجات الحب.