حين يتحول النقد إلى اغتيال للشخصية
فيصل تايه
12-01-2026 11:08 AM
في الدول التي تحترم ذاتها، لا يكون النقد فعل تصفية، ولا تتحول المساءلة إلى أداة تشهير، ولا يصبح الاختلاف في الرأي مبرراً لاغتيال السمعة ، فالنقد، حين يكون صادقاً، يراد به التصويب لا الإسقاط، والإصلاح لا التشويه ، غير أن ما تشهده الساحة العامة أحياناً هو انزلاق مقلق من منطق التقييم إلى منطق الاستهداف، ومن مساءلة الأداء إلى محاكمة النوايا، وهو ما يستدعي وقفة عقلانية هادئة، لا دفاعاً عن أشخاص، بل انحيازاً للحق والعدالة.
لقد بدأ الجدل حول وزير العمل في سياقه الطبيعي، من خلال أسئلة وانتقادات تتعلق بالأداء العام، وهو أمر مشروع ومطلوب في أي نظام سياسي يحترم الرقابة ويؤمن بدور المساءلة ، لكن الإشكال لم يكن في أصل النقد، بل في المسار الذي اتخذه لاحقاً، حين خرج من إطار السياسات والقرارات إلى دائرة أوسع من التشكيك، ثم إلى تصعيد متتابع بدا في كثير من مراحله أقرب إلى حملة منظمة منه إلى نقاش مهني عابر، حيث تكررت الاتهامات، وتزامنت، وانتقلت بسرعة من المؤسسات إلى الفضاء الرقمي، وتبدلت اللغة من تحليل الأداء إلى النيل من الشخص.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس دفاعياً ولا هجومياً، بل منطقياً : هل الخلاف كان على قرارات محددة أم على طريقة إدارة الملفات؟ وهل المشكلة في السياسات أم في أن المسؤول اختار أن يكون واضحاً ومباشراً في طرحه؟ فالمعروف أن العمل في ملفات شائكة كملف سوق العمل، وتنظيم العمالة، وحقوق العامل الأردني، بطبيعته يولد احتكاكاً مع مصالح متعددة، ويضع من يتصدى له في مواجهة مباشرة مع أطراف لا تتفق دائماً مع مسار الإصلاح ، وفي مثل هذه الملفات، لا يمكن إرضاء الجميع، ولا يمكن إدارة التوازنات بالصمت أو المواربة.
لقد عرف وزير العمل بكونه وزيراً لا يتوارى خلف العبارات الرمادية، ولا يكتفي بالتصريحات العامة، بل يواجه، ويشرح، ويضع القضايا الحساسة على الطاولة، وهذه الصراحة، وإن كانت مطلوبة في العمل العام، إلا أنها في كثير من الأحيان تقابل بتفسيرات قاسية، لا لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأنها تزعج من اعتادوا على نمط أقل وضوحاً وأقل اشتباكاً مع الواقع.
الأخطر في هذا المسار كله، أن بعض الخطابات تجاوزت حدود النقد المهني إلى المساس بالمحيط الشخصي، وهو تجاوز لا يمكن تبريره تحت أي عنوان ، فحين يتم الزج بالعائلة في النقاش العام، وتتداول اتهامات دون تحقيق أو حكم، نكون قد غادرنا ساحة النقاش السياسي إلى منطقة الظلم المعنوي، حيث تكسر الخطوط الحمراء، وتستبدل المؤسسات بالمنصات، والإجراءات القانونية بالأحكام المسبقة ، والدولة التي تحترم نفسها لا تدين أحداً بالاشتباه، ولا تدير العدالة عبر الرأي العام، بل تحتكم إلى القانون وحده.
ولا بد هنا من التأكيد على حقيقة لا يختلف عليها اثنان: لا أحد فوق النقد، ولا أحد معصوم من الخطأ، لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين المحاسبة والتشهير، وبين الاختلاف والتجريح ، فالعدل لا يعني الدفاع الأعمى، كما أن الحرص على الصالح العام لا يعني الصمت أمام الخطأ، لكنه أيضاً لا يبرر صناعة صورة سوداء مكتملة لشخص أو تجربة دون ميزان، ودون اعتراف بالجهد، أو إدراك لتعقيد المرحلة.
لقد تولّى وزير العمل مسؤولياته في ظرف اقتصادي واجتماعي صعب، وأدار ملفات تحتاج إلى قرارات غير شعبية أحياناً ، لكنها ضرورية في سياق الإصلاح ، وهذه طبيعة العمل العام ،فكل من يقترب من الملفات الحقيقية يدفع ثمن الاقتراب، وكل من يلامس مصالح متضررة يواجه مقاومة، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في النقد، بل في تحول النقد إلى حملة، والخلاف إلى خصومة، والرأي إلى أداة إسقاط.
إن الدفاع عن الحق في هذه اللحظة لا يعني الاصطفاف مع شخص، بل الوقوف مع مبدأ أساسي: أن تبقى المساءلة أداة إصلاح لا وسيلة تصفية، وأن يُناقش الأداء بالوقائع لا بالإيحاءات، وأن يحفظ للناس حقهم في الكرامة حتى وهم تحت النقد ، فالحق لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى عقل، ولا يخدم بالتنمر، بل بالإنصاف.
بهذا الفهم فقط يمكن أن نبني خطاباً عاماً ناضجاً ، ونثبت لأنفسنا قبل غيرنا أننا مع الدولة لا ضدها، ومع العدالة لا مع الاغتيال المعنوي، ومع النقد المسؤول لا مع التشويه، أياً كان الشخص المعني، وأياً كانت طبيعة الخلاف.