facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتحوّل الواسطة إلى سياسة: كيف تُقوَّض العدالة وتُجرَح هيبة الدولة


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
12-01-2026 12:28 PM

في الدول التي تسعى إلى ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، تُشكّل العدالة الوظيفية وتكافؤ الفرص أحد أعمدة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأحد أبرز مؤشرات النزاهة في الإدارة العامة. فالوظيفة العامة ليست حقًا شخصيًا ولا امتيازًا مكتسبًا، بل مسؤولية وطنية وأمانة أخلاقية تُناط بمن تتوافر فيهم الكفاءة والاستحقاق، وتُدار وفق قواعد واضحة وشفافة تضمن المساواة بين المواطنين دون تمييز.

وحين تُثار تساؤلات حول سلامة هذه القواعد، أو يُشكَّك في نزاهة إجراءات التعيين، فإن النقاش لا ينصرف إلى أشخاص بعينهم بقدر ما يمس الثقة العامة بالمؤسسات، ويضع مفهوم العدالة ذاته أمام اختبار حقيقي. فالمساس بتكافؤ الفرص لا يقتصر أثره على الأفراد، بل يمتد ليطال صورة الدولة، ويؤثر في شعور المواطنين بالإنصاف والانتماء، ويغذّي الإحباط حين تغيب المعايير الواضحة، ويحلّ محلها الانطباع بسطوة النفوذ على حساب الكفاءة.

فالوظيفة العامة في جوهرها ليست امتيازًا يُمنح ولا غنيمة تُقتنص، بل أمانة ومسؤولية تُحمَّل لمن يستشعر ثقل التكليف ويؤمن بأن المنصب خدمة لا سلطة. غير أن المؤسف أن بعض من يتولون مواقع القرار باتوا يتعاملون مع هذه المسؤولية باعتبارها فرصة لتوسيع دوائر النفوذ، وبناء علاقات تقوم على تبادل المنافع؛ حيث يُقدَّم تعيين مقابل تعيين، ويُمرَّر تجاوز مقابل صمت، ومع اتساع هذه الممارسات تتشابك المصالح، وتضيع الحدود الفاصلة بين الحق المشروع والاستغلال غير المشروع.

ولا يكمن الخطر الحقيقي في وجود هذه الممارسات فحسب، بل في تقبّلها من بعض المسؤولين وكأنها أمر اعتيادي أو “واقع لا مفر منه”، دون اعتبار جاد لمبدأ العدالة أو تكافؤ الفرص. عندها يصبح الخلل أخلاقيًا قبل أن يكون إداريًا، ويغدو الصمت شراكة غير مباشرة في الظلم، وتفريطًا بالمسؤولية العامة.

والمفترض في المسؤول – أيًّا كان موقعه – أن يكون خط الدفاع الأول عن المواطن، الغني والفقير، القوي والضعيف، الكبير والصغير، وأن يحفظ حقوق الجميع دون تمييز، وأن يكون نموذجًا في احترام القانون، لا أول من يلتف عليه أو يخرقه. فالقانون حين يُطبَّق بانتقائية يفقد هيبته، وحين يُحترم من الجميع يستعيد قوته وعدالته.

وهذه الظاهرة ليست وليدة اليوم. ومن حقنا أن نتساءل بموضوعية وجرأة: منذ سنوات، أين يعمل أبناء كثير من المسؤولين – إلا من رحم ربي؟ ولماذا نجد عددًا غير قليل منهم في مواقع حساسة، برواتب مرتفعة، في هيئات مستقلة أو مجالس إدارة أو مواقع مفصلية؟ في أحيان كثيرة، بدت هذه المواقع وكأنها “حصة غير معلنة” في بعض مفاصل الدولة، تُتداول بصمت وتُبرَّر بشتى الذرائع.

ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، لا يجوز تعميم الاتهام. فهناك نماذج مشرّفة من رؤساء وزراء ووزراء ونواب، وأعيان وكبار موظفي الديوان الملكي العامر، ومن أكاديميين وضباط في الأجهزة الأمنية، التزموا بالكفاءة والاستحقاق، وابتعدوا عن المحاباة، وقدموا مثالًا يُحتذى في النزاهة والمسؤولية. هؤلاء يشكّلون الدليل الحي على أن الإصلاح ممكن، وأن المنصب لا يفسد بالضرورة من يتولاه إذا كان الضمير حاضرًا.

وتبقى القضية في جوهرها ليست في الشخص الذي جرى تعيينه فحسب، بل في شعور المواطنين بغياب المعايير الواضحة، وفي تراكم الإحساس بأن الكفاءة ليست دائمًا بوابة الوصول، وأن القرب من السلطة قد يختصر الطريق على حساب المستحقين. هذا التراكم هو ما يولّد الغضب الشعبي، والغضب لا ينشأ من فراغ، بل من تجارب متكررة خيّبت الأمل وأضعفت الثقة.

فالحصول على وظيفة بالنسبة لفتاة من البادية أو القرية، أو لشاب من المدينة أو المخيم، ليس مجرد راتب آخر الشهر، بل هو حلم وحياة واستقرار. هو باب لبداية مستقبل آمن، وأمل مشروع في كرامة العيش والاستقلال وبناء أسرة، أو وسيلة لإعالة أمٍ أو إخوةٍ أيتام، أو ثمرة انتظار لوالد أفنى عمره في تعليم أبنائه. ومن يعبث بهذه الأحلام لا يعتدي على حق فرد واحد، بل يعتدي على وطن كامل، ويقوّض أساس العدالة الاجتماعية، ويزرع الإحباط واليأس في نفوس من لم يكن لهم سوى الأمل طريقًا.

فالعبث بالوظيفة العامة، وبمبادئ العدالة والاستحقاق، ليس مجرد خلل إداري، بل هو عبث بأمن المجتمع واستقراره. وهو مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون جريمة قانونية، ومسؤولية أمام الضمير والناس والله تعالى.

وفي الوقت ذاته، من الواجب التأكيد على حقيقة أساسية: أبناء المسؤولين ليسوا متهمين لمجرد كونهم أبناء مسؤولين. فمن حيث المبدأ، لهم الحق الكامل في التنافس على الوظائف كما غيرهم، ولا يجوز إقصاؤهم أو تحميلهم وزر مواقع آبائهم. ومن الطبيعي أن يحظى بعضهم بفرص تعليم أفضل أو خبرات مبكرة نتيجة بيئاتهم الأسرية، وهذا حق مشروع، ما دام قائمًا على الكفاءة والمنافسة العادلة، لا على المحاباة وتجاوز القانون.

ويبقى السؤال الأخلاقي الكبير: كيف يجرؤ بعض المسؤولين على مخالفة توجيهات صاحب الجلالة، في وقت نجد فيه بجلالة الملك المعظّم وسمو ولي عهده، حفظهما الله ورعاهما، أصدق قدوة في احترام القانون وصون هيبة الدولة؟ لقد جسّد جلالة الملك وسمو ولي العهد، قولًا وفعلًا، مبدأ المساواة أمام القانون، وأكّدا مرارًا أن لا أحد فوقه مهما علا موقعه أو قربه. ولم يكن هذا مجرد خطاب للاستهلاك، بل ممارسة راسخة تُعلي من شأن العدالة، وتُرسّخ الثقة، وتحفظ كرامة المواطن وهيبة الدولة.

إن هذا النهج الهاشمي الواضح يجب أن يكون المرجع الأول لكل مسؤول، والمدرسة التي يتعلم منها معنى النزاهة والعدل، والسقف الذي لا يجوز تجاوزه. فالمسؤولية العامة ليست امتيازًا يُتفاخر به، بل تكليف ثقيل، وأمانة عظيمة، ومحاسبة لا مهرب منها، في الدنيا قبل الآخرة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :