facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إدارة بلا عدالة .. دولة بلا ثقة


د. مثقال القرالة
12-01-2026 12:42 PM

في لحظةٍ تاريخيةٍ دقيقة، لم يعد مقبولاً ولا مبرَّراً أن يُختزل ما نعيشه في توصيفاتٍ مخفَّفة من قبيل “قصور إداري” أو “ضعف أداء ظرفي”. نحن أمام فشلٍ بنيويٍّ عميق في إدارة الشأن العام، فشلٍ لم يعد قابلاً للإخفاء خلف لغة البيانات الرسمية ولا خلف عناوين الإصلاح المؤجَّلة منذ سنوات. فشلٌ بات المواطن يلمسه في تفاصيل حياته اليومية؛ في رزقه، وفي شعوره بالعدالة، وفي قلقه على مستقبل أبنائه. ومن يقرأ المشهد بعيون الخبير لا يرى حكومة تُدير دولة بمفهومها المؤسسي، بل منظومة تُدير مصالح، وتعيد إنتاج ذاتها عبر شبكات النفوذ والولاءات، وكأن الدولة غدت أداةً لا غاية، ووسيلةً لا مسؤولية. لقد تحوّلت السلطة التنفيذية، في كثير من مفاصلها، من أداةٍ لخدمة الصالح العام إلى ما يشبه مجلس التنفيعات، تُدار فيه المواقع كما تُدار الغنائم، وتُوزَّع الفرص كما تُقسَّم الحصص. تراجع معيار الكفاءة، وتلاشى وزن الخبرة، وغاب الاستحقاق الوطني، ليحلّ محلها منطق الواسطة بوصفه جواز المرور الوحيد إلى الوظيفة والموقع والنفوذ. وهكذا لم تعد الدولة مساحةً مفتوحة لأبنائها جميعاً، بل دائرةً مغلقة لا يدخلها إلا من يملك الاسم أو القرابة أو الغطاء، فيما يُدفع الباقون إلى هامش الانتظار الطويل.

وهذا التوصيف ليس لغة انفعال ولا خطاباً شعبوياً، بل قراءة واقعية لحالةٍ ترسَّخت فيها ثقافة الفساد الوظيفي الصامت؛ فساد لا يُكتب في القوانين، لكنه يُمارَس يومياً في التعيينات والترقيات، ولا يُعلن في الخطاب السياسي، لكنه حاضر في صلب القرار. البطالة هنا لم تعد رقماً في تقرير إحصائي، بل جرحاً مفتوحاً في وعي الشباب، حين يرى المتفوّق نفسه خارج المشهد، بينما تُفتح الأبواب لمن لا يملك سوى صلته بالنافذين. عند هذه النقطة، تتحوّل الشهادة إلى ورقة بلا قيمة، ويغدو الاجتهاد عبئاً، ويتحوّل الإحباط إلى سياسة غير مكتوبة لكنها فاعلة. الأخطر من ذلك، أن هذا الخلل تمدَّد ليطال حتى الوظائف التي كانت تُعدّ تاريخياً ملاذاً لأبناء الطبقات الكادحة ورمزاً لهيبة الدولة. حتى الخدمة العامة في مواقعها الأساسية بات كثيرون عاجزين عن الالتحاق بها، وكأن شرف الخدمة تحوّل إلى امتياز طبقي. وحين تصل الدولة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تُقصي أفراداً فحسب، بل تُقصي فكرة العدالة ذاتها، وتضرب في الصميم العقد الأخلاقي غير المكتوب بينها وبين مواطنيها.

ومن منظور رجل دولة، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في نقص الموارد ولا في شحّ الكفاءات؛ فالمجتمع يزخر بطاقات بشرية وخبرات وطنية قادرة على النهوض متى أُتيحت لها الفرصة العادلة. المشكلة الحقيقية تكمن في سوء توزيع الفرص وغياب الإرادة السياسية الجادّة للإصلاح، لأن المنظومة القائمة تخشى الكفاءة؛ الكفاءة تُحاسِب وتُسائل، بينما الواسطة تُطيع وتضمن استمرار الأمر الواقع دون إزعاج. إن استمرار هذا النهج لا يهدّد حكومة بعينها ولا دورة سياسية محددة، بل يهدّد أخطر ما تملكه الدولة: ثقة المواطن. وحين تتآكل هذه الثقة، تبدأ الدولة بالانكماش من الداخل مهما رفعت من شعارات ومهما صاغت من خطابات إصلاحية. فالإصلاح الحقيقي لا يُصنع باللجان وحدها، ولا بالمؤتمرات والورش، بل بقرارات شجاعة وموجعة تُعيد الاعتبار لمفهوم الخدمة العامة، وتفصل بوضوح لا لبس فيه بين الدولة بوصفها كياناً عاماً والمصلحة الخاصة مهما علا شأن أصحابها.

والطريق إلى الحل ليس مستحيلاً ولا انقلابياً، بل عقلانيٌّ وعادل، يبدأ بإعادة بناء منظومة التعيين على أساس تنافسي شفاف، تُدار عبر آليات واضحة ومعلنة، ويُعرف فيها لماذا فاز هذا ولماذا لم يفز ذاك. ويستمر بربط المنصب العام بالإنجاز لا بالاسم، عبر مساءلة حقيقية وعقود أداء تُحاسِب المقصّر قبل أن تُكافئ المقرَّب، وتُشعر المواطن أن المسؤول يُراقَب كما يُراقَب غيره. كما يتطلب الأمر تجفيف منابع الواسطة لا بالاكتفاء بنصوص قانونية، بل بتطبيق صارم وعادل يشعر معه الجميع أن التدخل في حق الناس لم يعد سلوكاً آمناً ولا مقبولاً. وفي الوقت ذاته، لا بد من فتح آفاق حقيقية أمام الشباب خارج وهم الوظيفة الحكومية، عبر شراكات جادّة مع القطاع الخاص، وبرامج تدريب وتشغيل مرتبطة باحتياجات السوق، تحفظ كرامة الخريج وتمنحه فرصة إنتاج لا انتظار. فالدولة القوية لا تصنع مواطنيها على أبواب الوزارات، بل في ميادين العمل والإبداع. وعلى المستوى الثقافي، يجب إعادة الاعتبار لقيمة الخدمة العامة بوصفها مسؤولية وطنية لا سلّماً للنفوذ، وموقع تضحية لا بوابة امتياز.

هذه المقاربة لا تستهدف إسقاط أحد ولا إقصاء فئة، بل تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس العدالة والكفاءة، بما يُرضي المواطن الباحث عن فرصة عادلة، ويطمئن الدولة الساعية إلى الاستقرار، ويحفظ كرامة المسؤول الجاد الذي يريد أن يُحاسَب على عمله لا على اسمه. فأوطان بلا عدالة لا تستقر، ودول بلا ثقة لا تستمر. أقولها بوضوح إن لم يُفتح باب الأمل الحقيقي أمام الشباب، ولم تُستعاد هيبة القانون فوق كل اسم ولقب، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الفشل والغضب وإعادة التدوير. وحين يُغلق باب العدالة، لا يبقى للمواطن إلا أن يرفع يديه إلى السماء، قائلاً بصدق المقهور لا بشعار العاجز: حسبنا الله ونِعم الوكيل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :