تحاول الحكومات المتعاقبة سنّ قوانين ضرورية لتنظيم حياة الناس: في السير، والنظافة، والنظام العام. وغالبًا ما تختار الطريق الأسهل إداريًا: نصوصًا جامدة، وعقوبات واضحة، وكاميرات ترصد المخالفة وتوثّقها، ثم “فاتورة” تُدفع.
لكن من منظور البصائر السلوكية الذي دخل حديثًا في تصميم السياسات والخدمات الحكومية هذه المقاربة تعالج السلوك الظاهر، ولا تقترب من الدافع الحقيقي. لأن الامتثال للقانون لا يقوم فقط على الخوف من العقوبة، بل على سؤال أبسط وأعمق يتردد في ذهن المواطن:
هل هذا القانون لحمايتي أم لجبايتي؟
في كثير من دول العالم تُطبَّق قوانين صارمة فعلًا، ومع ذلك يتعامل الناس معها كجزء من “العقد الاجتماعي” الذي يحميهم ويحفظ مصالحهم. السر ليس في عدد الكاميرات، بل في شيء أقدم وأقوى: "الثقة". الثقة لا تُصنع بقرار، ولا تُشترى بحملة إعلامية؛ إنها حصيلة سلوكيات وقوانين وتجارب متراكمة تترك لدى الناس انطباعًا ثابتًا: “هذا النظام عادل… ويطبق على الجميع”.
المشكلة في واقعنا أن الكثير من السياسات تُصمَّم وكأن المجتمع صفحة بيضاء. لا يتم فهم جذور المشكلة، ولا أسبابها، ولا السياق الذي يُنتجها. والأهم: يتم تجاهل حقيقة أن "الثقة تآكلت". لذلك حين تُفرض مخالفات السير أو مخالفات النظافة، يفسرها الناس تلقائيًا على أنها "جباية" أكثر من كونها "حماية".
والسؤال هنا ليس أخلاقيًا فقط، بل سلوكيًا أيضًا: عندما يعتقد المواطن أن “النية” ليست المصلحة العامة، بل تحصيل المال، فإنه لا يتعاون… بل يقاوم، يتحايل، يغضب، أو يفقد احترامه للقانون. نفس النص القانوني، لكن النتيجة السلوكية تختلف بالكامل حسب النية المدركة.
ثم تأتي الضربة الأقسى للثقة: الواسطة والمحسوبية. حين يرى الناس أن المخالفات لا تُطبَّق على الجميع، وأن المتنفذ يتجاوز دون حساب، وأن الوزير أو المسؤول يضع مصلحته الخاصة قبل العمل العام… هنا لا تنهار الثقة فقط، بل ينهار معها “المعيار الاجتماعي” الذي يجعل الناس يلتزمون تلقائيًا. الرسالة التي تصل للناس ليست: “التزموا لتحموا أنفسكم”، بل: “التزموا لأنكم وحدكم ستدفعون الثمن”.
حتى حملات “النظافة” مثلًا رغم أهميتها- قد تثير الريبة لدى الناس عندما تأتي في بيئة خدماتها ضعيفة، وتطبيقها انتقائي، وتتحول بسهولة إلى بوابة للغرامات. وعندها يصبح السؤال الشعبي: “لماذا التركيز الآن؟ وما الذي يُحضَّر خلف هذا التركيز؟” وهذه ليست مبالغة؛ إنها نتيجة طبيعية لانخفاض الثقة: الناس يقرأون السياسات باعتبارها إشارات نوايا لا مجرد تعليمات.
الخلاصة بسيطة: أصعب شيء في الحياة بناء الثقة، لكنها حين تُبنى يمكن بها إصلاح أي مشكلة. أما حين تغيب، فلن تنجح الكاميرات إلا في إنتاج التزام مؤقت… وربما إنتاج غضب دائم. القوانين تحتاج أدوات تطبيق، نعم. لكن قبل الأدوات، تحتاج معنى وعدالة وتساويًا أمام القانون.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم كاميرا نحتاج؟
بل: كيف نُعيد للناس شعورهم أن القانون لهم… لا عليهم؟