facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التوظيف في القيادات العليا للدولة: بين العدالة المؤسسية ومتطلبات الكفاءة


أ. د. هاني الضمور
12-01-2026 12:50 PM

يُعدّ التوظيف في القيادات العليا للدولة من أكثر الملفات حساسية في أي نظام سياسي، لأنه يمسّ مباشرة جوهر السلطة، وجودة القرار، ومستقبل الدولة على المدى البعيد. ومع كل نقاش حول تعيين المسؤولين الكبار، يتجدد السؤال: هل يُعدّ حصر هذه المناصب في فئة محددة من ذوي الخبرة والكفاءة شكلًا من أشكال الظلم أو الإقصاء؟ أم أنه ضرورة تفرضها طبيعة الدولة الحديثة وتعقيد مهامها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون أخلاقية مجردة، بل يجب أن تكون مؤسسية وعلمية في آن واحد.

تشير أبحاث الإدارة العامة المقارنة إلى أن المناصب العليا في الدولة لا تُشبه الوظائف العادية، لا من حيث طبيعة المسؤولية ولا من حيث أثر القرار. فالقرارات الصادرة عن القيادات العليا لا تمس قطاعًا محدودًا، بل تنعكس على الاقتصاد الكلي، والاستقرار الاجتماعي، والأمن القومي، والعلاقات الخارجية. ولهذا السبب، تُجمع الأدبيات العلمية على أن شغل هذه المواقع يجب أن يكون قائمًا على ما يُعرف بـ “الجدارة الوظيفية العليا”، وهي مزيج من الكفاءة التقنية، والخبرة المتراكمة، والقدرة على التفكير الاستراتيجي تحت الضغط.

وتُظهر دراسات البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن الدول التي تعتمد معايير واضحة وصارمة في اختيار القيادات العليا تحقق مستويات أعلى من فاعلية الحكومة، وانخفاضًا في معدلات الفساد، وتحسنًا ملموسًا في جودة السياسات العامة. في المقابل، فإن الدول التي تُخضع هذه التعيينات لمنطق المحاصصة السياسية أو الإرضاء الاجتماعي غالبًا ما تعاني من ضعف في الأداء المؤسسي، حتى وإن رفعت شعارات العدالة والمساواة.

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في كون القيادات العليا “صفوة”، بل في طريقة تشكّل هذه الصفوة. فالعدالة المؤسسية لا تعني أن يكون المنصب متاحًا لكل مواطن بغض النظر عن مؤهلاته، بل أن تكون الطريق إلى المنصب مفتوحة وعادلة، وأن يخضع الجميع لمعايير واحدة، شفافة، وقابلة للتقييم. بهذا المعنى، فإن قصر المناصب العليا على من يثبت امتلاكه الكفاءة لا يُعد ظلمًا، بل هو حماية للمصلحة العامة، لأن الخطأ في هذا المستوى لا يُصحَّح بسهولة ولا تُحتمل كلفته.

ومن منظور علم الاقتصاد السياسي، فإن ضعف القيادات العليا يُعد أحد أبرز أسباب فشل الدول، خاصة في مراحل التحول أو الأزمات. فالأبحاث التي تناولت فشل السياسات في دول نامية كثيرة تُظهر أن المشكلة لم تكن في نقص الموارد أو حتى في طبيعة النظام السياسي، بل في غياب كوادر عليا قادرة على تحويل السياسات إلى قرارات قابلة للتنفيذ. ولهذا ظهر مفهوم “الدولة ذات القدرة التنفيذية”، وهو مفهوم يربط نجاح الدول بوجود جهاز قيادي محترف، لا بمجرد شرعية شكلية.

غير أن الدفاع عن التوظيف القائم على الكفاءة في القيادات العليا لا يعني تبرير الإقصاء أو تحويل الدولة إلى نادٍ مغلق. فالعلم نفسه يؤكد أن النخب التي لا تخضع للتجديد والمساءلة تتحول مع الزمن إلى عبء على الدولة. ولذلك، فإن الشرعية الأخلاقية والعلمية لتوظيف الصفوة في المستويات العليا تقوم على شرطين متلازمين: أولهما أن تكون معايير الاختيار موضوعية ومعلنة، وثانيهما أن تبقى هذه القيادات خاضعة للتقييم والمحاسبة، وأن يُتاح تداول المواقع العليا عند ثبوت القصور.

إن أخطر أشكال الظلم لا يتمثل في اختيار الأكفّاء، بل في تعيين غير المؤهلين في مواقع سيادية بدعوى التمثيل أو المساواة. فنتائج هذا النوع من “العدالة الشكلية” يدفع ثمنها المجتمع بأكمله، وخاصة الفئات الأضعف، لأن فشل السياسات العامة يضرب الخدمات، والوظائف، والاستقرار الاقتصادي قبل أي شيء آخر. ومن هنا، فإن الكفاءة في القيادات العليا ليست امتيازًا شخصيًا، بل مسؤولية عامة ذات أثر جماعي.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى التوظيف في القيادات العليا للدولة بمنطق أخلاقي مبسط يفصل العدالة عن الكفاءة. فالعدالة الحقيقية في هذا المستوى هي عدالة النتائج لا النوايا، وهي عدالة تحمي المجتمع من سوء القرار، وتضمن أن من يتولى أخطر المناصب هو الأقدر على إدارتها. أما المساواة المطلقة في مواقع القيادة، فهي ليست عدلًا، بل إنكار لحقائق الإدارة الحديثة، وتفريط في أمن الدولة ومستقبلها. ولذلك، فإن بناء دولة قوية يبدأ من الاعتراف بأن الكفاءة في القمة ليست ترفًا نخبويًا، بل شرطًا استراتيجيًا لبقاء الدولة نفسها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :