facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما تفشل شبكات تصريف مياه الأمطار


المهندس محمد وائل المنير
12-01-2026 02:01 PM

* تحد يستدعي خطة وطنية شاملة للانتقال من الأساليب التقليدية إلى حلول مستدامة

الحالة التي وصلت إليها بعض المناطق في مملكتنا الحبيبة، نتيجة عدم قدرة البنية التحتية على تصريف مياه الأمطار بالكفاءة المطلوبة خلال الهطولات الأخيرة، باتت تدق ناقوس الخطر لا سيما مع تكرار هذه الظاهرة عند كل منخفض جوي.
وعليه، أصبح من الضروري النظر الجاد في إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة على المستوى الوطني، على أن تكون هذه الحلول مبنية على دراسات هندسية رصينة، ومستندة إلى أفضل وأحدث الممارسات العالمية في هذا المجال.

في الواقع، لا يمكن إلقاء اللوم الكامل على الحكومات وحدها، وإن كانت تتحمل جزءًا من المسؤولية. إلا أن التغير المناخي الذي يشهده العالم بأسره أسهم بشكل واضح في تغيير أنماط الهطول المطري، حيث باتت معدلات الأمطار تحيد عن تلك المسجلة في العقود السابقة، وظهر ما يمكن وصفه بتطرف المناخ الشتوي. فقد يمر فصل شتاء بكميات محدودة من الأمطار، يليه فصل آخر بكميات غزيرة وغير مسبوقة.

ومن المهم في هذا السياق التفريق بين مفهومين أساسيين، هما كمية الأمطار الكلية خلال فصل الشتاء، ومعدل الهطول المطري خلال فترة زمنية محددة، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـRainfall Intensity، إذ تشير كمية الأمطار الكلية إلى مجموع ما يهطل من أمطار خلال سنة كاملة أو موسم شتوي واحد، وغالبًا ما يُستخدم هذا المؤشر في دراسات الحصاد المائي وإدارة الموارد المائية، وليس في تصميم شبكات تصريف مياه الأمطار.

أما معدل الهطول المطري (Rainfall Intensity)، فيعبّر عن كمية الأمطار التي تهطل خلال فترة زمنية قصيرة، وغالبًا ما تُقاس خلال ساعة واحدة، وهو العامل الأساسي المعتمد عند تصميم شبكات تصريف مياه الأمطار.
ومع تزايد التطرف المناخي، أصبحت معدلات الهطول أعلى من القيم المعتادة، بحيث تهطل كميات كبيرة من الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة أثناء المنخفضات الجوية، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على شبكات التصريف ويؤدي إلى زيادة الجريان السطحي وارتفاع مخاطر الفيضانات.

ونتيجة لهذا التطرف المناخي، لم تعد أعمال تنظيف شبكات تصريف مياه الأمطار من عبارات أنبوبية وصندوقية وغيرها قبل فصل الشتاء كافية لمواجهة هذا التحدي المتزايد. كما أن الاكتفاء بتوسعة شبكات التصريف أو زيادتها دون إجراء دراسة شمولية متكاملة لم يعد حلًا منطقيًا أو مستدامًا.

فعلى سبيل المثال، شهد المنخفض الجوي الأخير معدلات هطول مطري في بعض المناطق تراوحت بين 70 ملم/ساعة و110 ملم/ساعة، وهي قيم تُصنّف في علم الهيدرولوجيا ضمن الهطولات الشديدة جدًا، وقد تُقارَنب في شدتها بظواهر إعصارية. وعند التعامل مع مثل هذه المعدلات باستخدام الأساليب التقليدية في التصميم فإن ذلك سيؤدي إلى شبكات تصريف ذات أطوال وأقطار غير منطقية هندسيًا، وبتكاليف إنشائية وتشغيلية مرتفعة جدًا.

ومن هنا برزت الحاجة للجوء إلى حلول هندسية حديثة في مجال إدارة مياه الأمطار، ومن أبرزها نظام التصريف الحضري المستدام (Sustainable Urban Drainage Systems – SUDS). ويقوم هذا النظام على مبدأ عدم الاعتماد الحصري على شبكات التصريف التقليدية من أنابيب وقنوات، وإنما العمل على تقليل كمية مياه الأمطار المتجهة إلى هذه الشبكات من خلال حلول مبتكرة ومستدامة.

ومن أهم أدوات هذا النظام:

* برك وحفر تجميع مياه الأمطار (Detention & Retention Facilities)، حيث تُجمع المياه أثناء فترات الهطول، ثم تُصرف تدريجيًا بعد انتهاء العاصفة المطرية وبمعدلات تتناسب مع قدرة شبكات التصريف القائمة.

* الحدائق المطرية (Rain Gardens)، التي تعتمد على أحواض مزروعة بنباتات مختارة تساعد على امتصاص المياه وتعزيز تسربها إلى التربة.

* استخدام الخلطات الإسفلتية عالية المسامية، التي تسمح بنفاذ مياه الأمطار وتقليل الجريان السطحي.

وبدون الدخول في تفاصيل فنية مطوّلة، أرى أن الوقت قد حان لإعداد خطة وطنية شمولية لإدارة وتصريف مياه الأمطار والفيضانات (National Master Plan for Stormwater and Flood Management)، بحيث تُعالج المشكلة من جذورها وعلى مستوى وطني متكامل.

على أن يتم تشكيل لجنة توجيهية على المستوى الوطني من الجهات الرسمية ذات العلاقة لمتابعة إعداد هذه الخطة، وبالتوازي الاستعانة بشركة استشارية متخصصة،على أن تشمل إجراءات مباشرة (طارئة)، وحلولًا متوسطة وطويلة المدى، مدعومة بخطط تنفيذية واضحة وقابلة للتطبيق.

في النهاية، لم يعد التعامل مع تحديات تصريف مياه الأمطار ترفًا تخطيطيًا أو إجراءً روتينيًا يقتصر على أعمال الصيانة الدورية، بل أصبح ضرورة يجب وضعها ضمن الأولويات الوطنية ويجب تبنّي نهج وطني متكامل، قائم على التخطيط العلمي، وتحديث المعايير التصميمية، وتطبيق الحلول المستدامة، كفيل بالانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة الإدارة الاستباقية للمخاطر، وهو ما يتطلب إرادة مؤسسية واضحة، وتعاونًا فعّالًا بين جميع الجهات ذات العلاقة، لضمان تنفيذ حلول عملية قابلة للتطبيق، تحفظ الأرواح والممتلكات، وتؤسس لبنية تحتية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :