الإعلام بين القرار والرواية
حسن عبدالحميد الرواشدة
12-01-2026 02:41 PM
عندما تقوم الدولة بما يجب عليها فعله، فإن ذلك لا يبدأ بالقرارات وحدها ولا ينتهي عند إصدار الخطط والبرامج. الدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على رسم مسار واضح، محدد الأهداف، قابل للقياس، ومربوط بجدول زمني يعرف المواطن من خلاله أين يقف اليوم وإلى أين يتجه غدًا. غير أن التجربة السياسية في منطقتنا تثبت أن المشكلة لا تكمن غالبًا في غياب الرؤية، بل في غياب شرحها، وفي العجز عن تحويلها من وثيقة رسمية إلى وعي عام مشترك.
الدولة قد تعمل، وقد تُنجز، وقد تُراكم قرارات وإجراءات تبدو في نظر صانعيها منطقية وضرورية، لكنها تفقد معناها السياسي حين لا تُفهم. المواطن لا يعيش في عالم مؤشرات الأداء ولا يقرأ لغة التخطيط الاستراتيجي، بل يتعامل مع نتائج مباشرة تمس حياته اليومية، وحين لا يجد تفسيرًا واضحًا لما يجري، تتكوّن فجوة خطرة بين ما تراه الدولة إنجازًا وما يراه الناس غموضًا أو عبئًا إضافيًا. هنا تحديدًا تبدأ مشكلة الثقة، لا بوصفها موقفًا سياسيًا معارضًا، بل حالة شعورية عامة عنوانها أن الدولة في وادٍ والناس في وادٍ آخر.
في أدبيات الحكم الرشيد، تُعد الشفافية والمساءلة والمشاركة المجتمعية ركائز لا يمكن فصلها عن أي عملية إصلاح حقيقية. تجارب الدول التي نجحت في إدارة التحولات الاقتصادية والسياسية الكبرى تؤكد أن التواصل مع المواطنين ليس تفصيلًا إعلاميًا، بل جزء أصيل من عملية صنع القرار نفسها. فالدولة التي لا تشرح لماذا تتخذ قرارًا ما، ولماذا الآن، وإلى أين يقود هذا القرار خلال سنوات محددة، تترك المجال مفتوحًا أمام التأويل، والشائعة، والقراءات السلبية، حتى لو كان القرار في جوهره صحيحًا.
من هنا، يصبح الإعلام أمام اختبار حقيقي. ليس مطلوبًا من الإعلام أن يكون بوقًا للحكومات، ولا منصة تشكيك دائمة، بل وسيطًا مهنيًا يحوّل السياسات العامة إلى خطاب مفهوم، ويعيد ربط القرار السياسي بحياة الناس. الإعلام المسؤول هو الذي يفسر المسار، يضعه في سياقه، يشرح كلفته وجدواه، وينقل للناس ما تحقق وما تعثر بصدق ووضوح. هذا الدور، كما تشير تجارب الاتصال الحكومي في الدول الديمقراطية، هو أحد أهم عناصر بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وضمان التزام المواطنين بالسياسات العامة.
المشكلة تبدأ حين يغيب هذا الدور أو يُختزل. حين تُترك الخطط بلا شرح، والقرارات بلا سياق، يتحول الإعلام إما إلى ناقل أخبار جافة، أو إلى ساحة صراع منفصلة عن جوهر السياسات العامة. وفي الحالتين، يخسر الجميع. الدولة تخسر قدرتها على بناء شراكة مجتمعية حقيقية، والمواطن يخسر حقه في الفهم والمساءلة، وتتحول أي خطوة إصلاحية إلى عبء سياسي بدل أن تكون فرصة وطنية.
الشراكة بين الدولة والمجتمع لا تُفرض بالقوانين ولا تُطلب بالشعارات. هي عملية تبدأ بالمعرفة، وتتعمق بالثقة، وتستمر بالتواصل المستمر. حين يفهم الناس الخطة، حتى لو اختلفوا مع بعض تفاصيلها، يصبحون جزءًا من النقاش لا خارجه، ويشعرون أن لهم موقعًا في المسار لا مجرد دور المتلقي. هذا ما يجعل الإعلام، في لحظات التحول الكبرى، جزءًا من بنية الدولة الحديثة، لا هامشًا تابعًا لها.
في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتضخم فيه الأسئلة، لم يعد كافيًا أن تقوم الدولة بما عليها فعله، بل بات مطلوبًا أن تشرح ما تفعل، ولماذا تفعله، وإلى أين تمضي به. وبين القرار والناس، يقف الإعلام كحلقة لا غنى عنها. إما أن يختصر المسافة ويبني الثقة، أو يترك فراغًا تملؤه الشكوك وسوء الفهم. وفي السياسة، الفراغ أخطر من الخطأ.