في تأبين أ.د. محمد شاهين: حين تُخلَّد الأرواح بعد رحيلها
مارية العيسة
12-01-2026 08:42 PM
أحيانًا، وفي بعض المناسبات، يتجاوز الأثر كونه حضورًا رسميًا، ليدخل في حالة وجدانية تتطلب تأملًا طويلًا وعميقًا. هكذا كان اللقاء التأبيني للأستاذ الدكتور محمد شاهين؛ حدثٌ تجاوز كونه وقفة حداد، ليغدو مساحة للتأمل في كينونة الإنسان.
تنقّل المتحدثون بين محطات حياة الدكتور شاهين، مستعرضين مسيرته أكاديميًا، وعلميًا، واجتماعيًا. ولم يكن اللافت في هذه الشهادات، بالنسبة لي، تعداد الإنجازات بقدر ما كان ذلك الصدق الذي أجمعت عليه الكلمات؛ إذ بدا الجميع متفقين، ضمنًا وعلنًا، على تفرد هذه القامة العلمية والإنسانية.
بدافع التقدير، قادني الفضول إلى البحث في سيرته، فوجدت تفاصيل دقيقة كان لا بد لها أن تُرى قبل الآن. هذا ما دفعني إلى التساؤل: كم من القامات في مختلف المجالات ما زالت تعيش بيننا بذات الكيفية، وتحتاج منّا الالتفات إليها قبل الغياب؟ سؤالٌ يعتريني كلما باغتتني رغبة استكشاف ما نمتلكه من كنوز معرفية ما تزال خفية حتى اليوم.
وفي ختام اللقاء، جاءت كلمة عائلة الأستاذ الراحل، التي ألقاها الأستاذ الدكتور عمر شاهين، فاصلةً في أثرها، وحاسمةً لمشاعر الحضور؛ إذ تحدّث عن ارتباط الفقيد العميق بالجامعة الأردنية، وعن نظرته إليها بوصفها موطنًا لا يمكن مغادرته. وكأن روح الراحل ما تزال حاضرة في هذا الصرح الشامخ، مجسِّدةً إخلاصًا للزمان، وقداسَة للمكان لا يدركها إلا من عاشها بتجرّد كامل.
من هذا المشهد، تتضح حقيقة غالبًا ما نغفل عنها: حياة الإنسان لا تُقاس بمدتها، ولا بكمّ الانتصارات فيها، بل بالصدق في عيشها. لقد كان الأستاذ الدكتور محمد شاهين أكثر من اسم في سجل الجامعة؛ كان نموذجًا للعطاء الهادئ الذي يستمر حتى بعد الوداع.
رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل أثره العلمي والإنساني شاهدًا حيًّا على معنى أن يكون الإنسان وفيًّا لعلمه، ولمكانه، ولرسالته.