facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الواقعية والعرب


فيصل سلايطة
13-01-2026 07:25 AM

ليست الواقعية خيانة، ولا الاعتراف بالخلل انبطاحًا، كما أن تسمية الأشياء بأسمائها لا تعني الاستسلام للواقع، بل هي الخطوة الأولى لتغييره. غير أن المأزق العربي المعاصر يتمثل في قطيعة عميقة مع الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، واستبداله بسقف مرتفع من الأوهام، حتى بتنا نعيش في فضاء تخييلي لا يشبه ما نحن فيه ولا يقود إلى ما نريده.

الواقعية ليست أن نقبل القاع، بل أن نراه بوضوح. فالقفز من القاع لا يكون بالإنكار، بل بتشخيص دقيق... أين نقف؟ لماذا نحن هنا؟ وما الذي أوصلنا إلى هذا الموضع أصلًا؟ أما حين نصرّ على أننا “أفضل الأمم” وأن إخفاقاتنا نتاج مؤامرة كونية دائمة، فإننا نغلق باب الإصلاح بأيدينا، ونحوّل الخطاب إلى وسيلة تخدير جماعي لا إلى أداة وعي.
الواقعية شرط للإنتاج لا نقيض للكرامة
كل التجارب الناجحة في العالم بدأت بلحظة اعتراف قاسية.

الولايات المتحدة، بعد الحرب الأهلية، أدركت حجم انقسامها الداخلي، فبنت دولة المؤسسات. اليابان بعد هيروشيما وناغازاكي لم ترفع خطاب الثأر، بل واجهت حقيقة الهزيمة، واستثمرت في الإنسان والعلم. سنغافورة، وهي دولة بلا موارد طبيعية، اعترفت بأنها ضعيفة، فحوّلت هذا الضعف إلى دافع لبناء نموذج إداري واقتصادي صارم. ماليزيا أدركت خللها البنيوي، وتركيا في مطلع الألفية واجهت أزماتها المالية والسياسية بإصلاحات مؤلمة لكنها واقعية.

القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس العبقرية الخارقة، بل الاعتراف بالخلل. لم تقل أي من هذه الدول إنها ضحية دائمة، بل سألت: ما الذي نفعله خطأ؟

المفارقة المؤلمة أننا، في العالم العربي، محاطون بنماذج نجاح واضحة، ومع ذلك نصرّ على تفسير إخفاقنا بوصفه مؤامرة خارجية فقط. نعم، هناك تدخلات وضغوط ومصالح دولية، لكن تحويلها إلى تفسير شامل يعفينا من أي مساءلة داخلية، ويجعلنا شركاء في استمرار الفشل.

نحن لا نراجع نظمنا التعليمية بجدية، ولا اقتصادنا ، ولا ثقافة الاستبداد، ولا تآكل مفهوم الدولة، ولا أزمة العقل السياسي، ثم نتفاجأ بنتائج واقعية قاسية: فقر، بطالة، هجرة، هشاشة، وانفجارات دورية. نعيش بعيدًا عن الواقع، ثم نُصدم حين يفرض الواقع نفسه.

فمثلا السابع من أكتوبر ليس حدثًا معزولًا، بل نتيجة تراكم طويل لانعدام الواقعية. الفكرة في جوهرها – المقاومة والدفاع عن النفس ورفض الظلم – فكرة مشروعة. لكن الواقعية لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
السؤال الذي تطرحه الواقعية هو:
هل يمكن لصاروخ صُنع في مشغل حدادة أن يحرر؟
هل يُقاس الفعل السياسي بجرأته الرمزية أم بمآلاته على الإنسان والأرض والقضية؟
الواقعية لا تحتقر الشجاعة، لكنها ترفض تحويلها إلى مقامرة جماعية. فحين تُفصل الطموحات عن ميزان القوة، وتُدار الصراعات بمنطق الخطابة لا بمنطق الحساب، تكون النتيجة خسائر تفوق المكاسب، مهما كانت الشعارات سامية.

نظرية المؤامرة تمنحنا عزاءً نفسيًا سريعًا: نحن بخير، العالم هو الشرير. أما الواقعية فتفرض علينا مواجهة الذات، وهي مواجهة موجعة. لكن الفرق أن الأولى تُبقيك في مكانك، بينما الثانية تمنحك فرصة الحركة.
حين نقول إننا الأفضل أخلاقيًا والتاريخ معنا والقدر سيُنصفنا، فإننا نُعفي أنفسنا من العمل. أما حين نقول: نحن متأخرون، نظمنا مختلة، أولوياتنا مضطربة، وقراراتنا انفعالية، فإننا نضع أيدينا على بداية الطريق.

لا نهضة بلا واقعية ،
الواقعية ليست دعوة للتخلي عن الحقوق، ولا للتطبيع مع الظلم، ولا لقتل الأحلام. هي دعوة لضبط الأحلام على مقاس الواقع، ثم العمل على توسيع هذا الواقع خطوة خطوة. فالأمم لا تنهض بالخطاب العالي وحده، بل بالقدرة على الربط بين الإمكانات والطموحات، بين الوسائل والغايات.

ما نحتاجه اليوم، كعرب، ليس مزيدًا من الشعارات، بل شجاعة عقلية:
أن نعترف أننا نخفق،
أن نرى أننا نتآمر على أنفسنا أحيانًا أكثر مما يُتآمر علينا،
وأن الواقعية، مهما بدت قاسية، هي الطريق الوحيد نحو كرامة حقيقية ومستقبل قابل للحياة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :