facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتعثر الخطط بسبب غياب العدالة: التخطيط الاستراتيجي بين الرؤية والتنفيذ


أ. د. هاني الضمور
13-01-2026 07:55 AM

على مدار السنوات الماضية، لم يكن التخطيط الاستراتيجي غائبًا عن الخطاب الرسمي في الدولة الأردنية، بل كان حاضرًا بكثافة لافتة. فقد أُطلقت رؤى وطنية متعددة، واستراتيجيات قطاعية، وخطط تحديث وإصلاح حملت عناوين طموحة، وعُقدت حولها مؤتمرات وورش عمل، ورُبطت بمؤشرات وأطر زمنية واضحة. غير أن المفارقة التي ترسخت في الوعي العام والنخبوي هي أن كثافة التخطيط لم تُترجم بالضرورة إلى نتائج ملموسة، وأن الفجوة بين ما يُخطَّط له وما يُنفَّذ على أرض الواقع بقيت تتسع.

هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل خارجية كالأوضاع الإقليمية أو محدودية الموارد، ولا حتى بتغير الحكومات أو تسارع الأزمات. فالتجربة الأردنية خلال العقد الماضي تشير بوضوح إلى أن المشكلة أعمق، وتتصل بطبيعة المنظومة التي تُدار من خلالها الخطط، وبالأخص بآليات اختيار القيادات العليا، ومستوى الشفافية والعدالة في التعيين، وربط التخطيط بالمحاسبة.

في كثير من الحالات، تحوّل التخطيط الاستراتيجي إلى نشاط وثائقي أكثر منه مسارًا تنفيذيًا ديناميكيًا. تُكتب الخطط بلغة فنية متقدمة، وتُحدَّد الأولويات بدقة، لكن التنفيذ يُوكل أحيانًا إلى هياكل إدارية محدودة الصلاحيات، أو إلى قيادات لم تُختَر دائمًا على أساس الكفاءة والخبرة الاستراتيجية، بل خضعت في بعض الأحيان لاعتبارات التوازن، أو الاستقرار، أو إدارة المخاطر قصيرة الأجل. وفي مثل هذا السياق، يصبح التعثر شبه حتمي.

إن أي خطة، مهما بلغت جودتها، لا تنفّذ نفسها. فهي تحتاج إلى قيادة تمتلك الكفاءة المهنية، والقدرة على اتخاذ القرار، والجرأة على تحمل كلفة الإصلاح. وعندما تغيب العدالة والشفافية في التعيين في الوظائف العليا، تُفرغ الخطط من أحد أهم شروط نجاحها. فالقيادة التي لا تستند إلى شرعية الكفاءة، تميل بطبيعتها إلى الحذر المفرط، وتفضّل تجنب المخاطرة على حساب التغيير الحقيقي، حتى لو كان ذلك على حساب الاستراتيجية نفسها.

يتضح هذا الخلل بوضوح في المجال الاقتصادي. فرغم تكرار الحديث عن التحول الاقتصادي، وتحفيز النمو، وخلق فرص العمل، بقيت معدلات البطالة مرتفعة، واستمر الاعتماد على حلول مالية قصيرة الأجل لمعالجة اختلالات هيكلية أعمق. هذا التناقض بين الرؤية والنتيجة يعكس ضعف القدرة على تحويل التخطيط إلى سياسات تنفيذية يقودها فريق يمتلك الخبرة والانسجام والاستقلالية المهنية.

أما في الإدارة العامة، فقد برزت مشكلة تضخم الاستراتيجيات مقابل ضعف المتابعة والتقييم. في بعض المؤسسات، تعددت الخطط وتغيرت الأولويات بتغير القيادات، ما أفقد التخطيط صفة الاستمرارية، وحوّل الالتزام بالخطة إلى التزام شكلي لا يُقاس بأثره الفعلي على جودة الخدمة أو كفاءة الإنفاق. وفي غياب نظام صارم للمساءلة، لم يعد الإخفاق في التنفيذ حدثًا يستدعي المحاسبة، بل حالة يمكن تجاوزها بإعلان خطة جديدة.

الأخطر من ذلك هو أن التخطيط الاستراتيجي استُخدم في بعض المراحل كأداة لاحتواء الضغط العام أكثر من كونه أداة تغيير فعلي. فالإعلان عن رؤية جديدة أو استراتيجية محدثة بات أحيانًا بديلاً عن مساءلة من عطّل الخطط السابقة. ومع تكرار هذا النمط، تتآكل الثقة العامة، لا لأن المجتمع يرفض التخطيط، بل لأنه يلاحظ تكرار الوعود مع محدودية الأثر.

إن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص الرؤية، بل في غياب الربط الصارم بين التخطيط، والقيادة، والمحاسبة. فالدول التي نجحت في تحقيق تحول حقيقي في ظروف مشابهة لم تفعل ذلك بكثرة الخطط، بل بوضوح المعايير في اختيار القيادات، وبناء منظومة تقييم تقيس النتائج لا النوايا، وتربط الموقع بالمسؤولية.

في المحصلة، فإن أزمة التخطيط الاستراتيجي في الدولة الأردنية خلال السنوات الماضية هي أزمة تنفيذ وحوكمة واختيار قيادي أكثر مما هي أزمة أفكار. إصلاح هذا المسار لا يبدأ بإنتاج وثائق جديدة، بل بإعادة الاعتبار للكفاءة والعدالة في التعيين في الوظائف العليا، وتثبيت الاستراتيجيات كالتزام مؤسسي مستمر، وبناء منظومة محاسبة تُقاس فيها الخطط بأثرها الحقيقي على حياة المواطنين، لا بعناوينها. فالدولة قد تتعثر حين تخطئ في التخطيط، لكنها تدفع كلفة أكبر حين تخطئ في اختيار من يُفترض أن ينفّذ التخطيط ويحمل مسؤوليته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :