تقوّيض النظام القانوني الدولي
محمد نور الدباس
13-01-2026 03:32 PM
يقوم النظام القانوني الدولي المعاصر على جملة من القواعد العرفية والاتفاقية التي تشكّلت عقب الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، الذي أسّس لمبادئ جوهرية مثل حظر استخدام القوة، سيادة الدول، تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وعدم الإفلات من العقاب عن الجرائم الدولية الجسيمة، إلا أنّ هذا النظام، وعلى مدار العقود الأخيرة، تعرّض لاهتزازات عميقة، كان للولايات المتحدة الأمريكية (بوصفها القوة المهيمنة في النظام الدولي) دور محوري في إنتاجها، ليس عبر رفض القانون الدولي صراحة، بل من خلال إعادة تفسيره أو تجاوزه عمليًا بما يخدم اعتبارات القوة والمصلحة.
فنتحدث أولًا عن الانتقائية في احترام قواعد القانون الدولي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعتبر من أخطر الممارسات التي تقوّض النظام القانوني الدولي ما يُعرف بـ الانتقائية القانونية، حيث تلتزم الدولة بالقواعد الدولية حين تتوافق مع مصالحها، وتتجاوزها حين تشكّل قيدًا على سياساتها، وقد مارست الولايات المتحدة هذا النهج بوضوح، فدعمت قواعد حقوق الإنسان والتجارة الدولية في حالات، بينما عطّلتها أو أعادت تأويلها في حالات أخرى، الأمر الذي أضعف مبدأ المساواة القانونية بين الدول، وهو من ركائز القانون الدولي العرفي.
ونتحدث ثانيًا عن استخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية، حيث يشكّل غزو العراق عام 2003 مثالًا صارخًا على تجاوز القواعد المستقرة في القانون الدولي، فقد جرى استخدام القوة المسلحة دون تفويض صريح من مجلس الأمن، وبالاستناد إلى مفهوم موسّع لـ«الدفاع الوقائي»، وهو مفهوم لا يحظى باعتراف عرفي أو اتفاقي مستقر، وهذا السلوك مثّل خرقًا للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، وسابقة خطيرة أضعفت قاعدة حظر استخدام القوة، وشكّلت تكريسًا لمنطق القوة بدلًا من سيادة القانون.
ونطرح ثالثًا عنوان تقويض منظومة العدالة الجنائية الدولية، فعاى الرغم من الدور الأمريكي في إنشاء محاكم دولية خاصة (مثل محكمة يوغسلافيا السابقة)، رفضت الولايات المتحدة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وذهبت أبعد من ذلك عبر إصدار تشريعات تحصّن مواطنيها من الولاية القضائية للمحكمة في حالة مشاركتهم في قوات حفظ السلام مع الأمم المتحدة أو العمل على أقاليم الدول الأخرى، وكذلك ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على دول لمنع التعاون مع المحكمة، وهذا الموقف أضعف مبدأ عالمية العدالة الجنائية، وعزّز ثقافة الإفلات من العقاب، كما خلق تمييزًا غير مشروع بين ضحايا الجرائم الدولية.
ونتحدث رابعًا عن العقوبات الأحادية وتجاوز الشرعية الدولية، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية أحادية على عدد من الدول دون تفويض من مجلس الأمن، مع تطبيقها خارج إقليمها الوطني، بما يُعرف بالعقوبات العابرة للحدود، حيث تثير هذه العقوبات إشكاليات قانونية خطيرة، من أبرزها انتهاك مبدأ سيادة الدول، والمساس بحق الشعوب في التنمية، والإضرار بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان المدنيين، وهو ما يتعارض مع التزامات القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ونتحدث خامسًا عن توظيف مجلس الأمن سياسيًا، حيث يمثّل الاستخدام المتكرر لحق النقض (الفيتو)، لا سيما لحماية حلفاء سياسيين من المساءلة، أحد أبرز أسباب شلل مجلس الأمن، وقد أدى هذا الاستخدام إلى تعطيل آليات المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، وتقويض مصداقية المجلس، وإضعاف الثقة في منظومة الأمن الجماعي.
ونتحدث أخيرًا عن "النظام الدولي القائم على القواعد” كبديل للقانون الدولي، حيث برز في الخطاب السياسي الأمريكي مصطلح “النظام الدولي القائم على القواعد”، وهو مفهوم غير مُعرّف قانونيًا، ولا يستند إلى مصادر القانون الدولي المعروفة، ويُخشى من هذا التحول لأنه يستبدل القواعد الملزمة بقواعد مرنة تُحدَّد سياسيًا، ويمنح القوى الكبرى سلطة تعريف القاعدة وتطبيقها، وبالتأكيد يُفرغ القانون الدولي من طابعه الإلزامي.
خلاصة القول أنه لا يمكن القول إن الولايات المتحدة دمّرت القانون الدولي بشكل مباشر، لكنها أسهمت بصورة جوهرية في إضعافه وتفكيكه تدريجيًا من خلال الانتقائية في التطبيق، ومن خلالتسييس العدالة الدولية، ومن خلال فرض الأمر الواقع بالقوة، ومن خلال إعلاء منطق المصالح على حساب القواعد القانونية، حيث تنعكس هذه الممارسات سلبًا على الدول المتوسطة والصغيرة، التي تعتمد على القانون الدولي كوسيلة حماية وضمان، لا كأداة نفوذ، ومن هنا، فإن الدفاع عن القانون الدولي اليوم لم يعد شأنًا قانونيًا صرفًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية لحماية السلم الدولي ومنع عودة شريعة الغاب.