facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المطر .. حين يصبح الطبيعي غريبًا .. ماذا حدث لنا؟


رنا حداد
14-01-2026 12:09 AM

من الطبيعي في الشتاء أن تمطر السماء، وأن يهب البرد، وأن نرى الثلج أحيانًا. هذا أمر عرفناه منذ طفولتنا، وربطناه بذكريات الدفء العائلي، رائحة الأرض بعد المطر، وصوت الريح الذي كان جزءًا من الشتاء لا شيئًا مخيفًا. لكن السنوات الأخيرة غيّرت إحساسنا بالأشياء. تعوّدنا على شتاء «أقل حضورًا»، مطر خفيف ومتقطع، طقس متردّد لا يعرف إن كان يريد أن يكون شتاءً حقيقيًا أم مجرد فصل عابر. فجأة حين عاد المطر كما كان، بكل قوته وحقيقته، وجدنا أنفسنا نستغربه وكأنه حدث غير مألوف.

هذه ليست قصة طقس فقط؛ هذه مرآة كبيرة تعكس حالنا نحن كبشر ومجتمع.

مع الوقت، يبدو أننا اعتدنا العيش في «نسخة مخففة» من الأشياء: علاقات بلا دفء حقيقي، كلام بلا صدق كامل، قيم اجتماعية حاضرة في الذاكرة أكثر مما هي موجودة في السلوك، وحتى المشاعر صرنا نعيشها بنصف قوة، نخاف من كل ما هو كامل، عميق، وصادق. مثلما اعتدنا شتاءً بلا مطر، تعودنا حياة بلا عمق، فصار العمق اليوم يربكنا.

المشكلة ليست في المطر حين يهطل، بل في أن موازيننا تغيّرت. صرنا نعتبر ما يجب أن يكون استثناءً أمرًا طبيعيًا، وما يجب أن يكون طبيعيًا نراه استثناءً. تعوّدنا مثلًا على الضجيج، على الأخبار المقلقة، على صراعات يومية لا تنتهي، وعلى اللهاث المستمر خلف لقمة العيش أو الاعتراف الاجتماعي. وعندما تأتي لحظة الصفاء، أو يزورنا الهدوء، أو نجد دفئًا إنسانيًا حقيقيًا نستغربه!

نسأل أنفسنا: هل هذا طبيعي فعلًا؟ أم أننا لم نعد نعرف الطبيعي بعد الآن؟
حتى العلاقات بين الناس تغيّرت بهذه الطريقة. صار البعض يرى اللطف «مبالغة»، والصدق «ندرة»، والاهتمام «شيئًا غير معتاد». يكفي أن يتصرف أحدهم بإنسانية صافية، حتى يتعامل معه الآخرون بدهشة: لماذا يفعل ذلك؟ ماذا يريد؟ هذا تمامًا ما يحدث حين نكتشف المطر من جديد؛ ليس لأن المطر غريب، بل لأننا نحن، دون أن نشعر، أصبحنا غرباء عن الطبيعي.

الرسالة التي يذكّرنا بها الشتاء هذا العام بسيطة لكنها عميقة: الطبيعي لا يفترض أن يكون غريبًا. الخير، الصدق، المحبة، الهدوء، النظام، الاحترام، الأمان كل هذه أشياء ليست «أحداثًا استثنائية»، بل حقوق طبيعية يجب أن نشعر بها دون دهشة، كما نشعر بالمطر الذي يهطل ليحيي الأرض.

ما هو ليس طبيعي، في حالة المطر أولًا أننا تعايشنا مع فكرة «الجاهزية» واقنعنا أنفسنا بها، وربما ما شوه صورة عطاء السماء، «تمشاية الأمور، الترقيع ، ربك بحلها» ، مصطلحات لا تنفع مع مناخ يتغير في كل لحظة، يصبح الصيف أكثر حرارة والشتاء حالة لا ينفع معها « التسليك».

ربما نحتاج اليوم أن نراجع أنفسنا وضمائرنا قليلًا. كواطنين ومسؤولين.
ما الذي اعتدنا عليه وهو في الحقيقة غير طبيعي؟
وما الذي أصبح يثير دهشتنا فقط لأننا نسيناه طويلًا؟

من الجميل أن نسمح للمطر أن يذكّرنا بأن الحياة ما زالت قادرة على العودة إلى طبيعتها، وأن داخلنا ما زال قادرًا على استعادة إحساسه الصحيح بالأشياء، إذا لم نغلق قلوبنا أمام ذلك.

في النهاية، المطر ليس مجرد حالة جوية. إنه رسالة لطيفة من الحياة تقول لنا: لا تتصالحوا مع النقص والفساد وغياب الضمير وكأنه قدر دائم.

هناك دائمًا فرصة للعودة إلى الطبيعي، إلى ما يليق بنا وببلدنا، وما يطمئن أرواحنا. فقط علينا ألا نسمح للغرابة واللامسؤولية أن تحتل مكان الطبيعي داخلنا وفي عملنا.

"الدستور"





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :