هل ستضع الحرب أوزارها .. وننتقل إلى مرحلةٍ جديدة؟
محمد مطلب المجالي
14-03-2026 12:50 AM
في كل مرةٍ تتصاعد فيها ألسنة الحرب، وتعلو أصوات المدافع على صوت العقل، يعود السؤال القديم الجديد ليطرق أبواب الضمير الإنساني: هل آن للحرب أن تضع أوزارها؟ وهل يمكن للعالم أن يفتح صفحةً أخرى أقلَّ قسوةً وأكثر إنصافًا، أم أننا محكومون بدوراتٍ متكررة من الدم والخراب؟
الحروب في تاريخ الأمم ليست مجرد معارك تُخاض بالسلاح، بل هي لحظات اختبارٍ قاسية تكشف ما في السياسة من أطماع، وما في النفوس من نزعات الهيمنة والسطوة. وحين تشتعل الحروب، لا يكون الضحايا في ميادين القتال وحدهم، بل تمتد نيرانها إلى البيوت الآمنة، والاقتصاد المتعب، والمجتمعات التي تدفع ثمنًا باهظًا لم تقرره ولم تشارك في صنعه.
اليوم يقف العالم، ومنطقتنا العربية خصوصًا، على حافة مرحلة شديدة الحساسية. صراعاتٌ مفتوحة، وتحالفاتٌ تتغير، ومصالح كبرى تُرسم خلف الكواليس. أما الشعوب، فهي تراقب المشهد بقلقٍ عميق، وتطرح السؤال الذي يتردد في كل بيت: إلى أين يمضي بنا هذا الطريق؟
إن الحروب حين تبدأ قد تبدو لبعض صانعيها طريقًا سريعًا لتحقيق المكاسب، لكنها في حقيقتها طريقٌ طويل من الخسائر. فالنصر في الحروب ليس دائمًا نصرًا حقيقيًا، لأن الخراب الذي تخلّفه المدافع يحتاج سنواتٍ طويلة لإصلاحه، وقد لا تُصلحه الأجيال المتعاقبة بسهولة.
التاريخ يخبرنا أن كل حربٍ مهما طال أمدها لا بد أن تنتهي، لكن السؤال الأهم ليس متى تنتهي، بل كيف تنتهي. فهناك حروبٌ تنتهي بتسوياتٍ عادلة تفتح باب الاستقرار، وهناك حروبٌ تُغلق مؤقتًا لتترك تحت الرماد جمرًا ينتظر لحظة اشتعالٍ جديدة.
وإذا كان العالم قد تعب من الحروب، فإن الشعوب العربية أكثر من يعرف ثمنها الباهظ. فهذه المنطقة التي كانت عبر التاريخ ملتقى الحضارات ومهد الرسالات، تحولت في كثير من مراحلها إلى ساحة صراعٍ تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، بينما يبقى الإنسان العربي هو الحلقة الأضعف في معادلة الصراع.
إن الانتقال إلى مرحلةٍ جديدة بعد الحرب لا يتحقق بالشعارات ولا بالبيانات الدبلوماسية، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تعترف بأن الأمن لا يُبنى على أنقاض الآخرين، وأن الاستقرار لا يولد من رحم الفوضى. فالحروب قد تفرض واقعًا جديدًا، لكنها لا تستطيع أن تفرض سلامًا حقيقيًا إذا لم تقم على العدالة والاعتراف المتبادل بالحقوق.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: هل ستضع الحرب أوزارها؟ بل أيضًا: هل سيتعلم العالم من دروسها؟
فكم من حربٍ انتهت، لكنها تركت بذور حربٍ أخرى في تربة الظلم والاحتقان.
إن المرحلة القادمة — إن كُتب لها أن تبدأ — يجب أن تكون مرحلة مراجعة عميقة للعقل السياسي الذي اعتاد أن يدير الأزمات بالسلاح بدل الحكمة. فالقوة وحدها لا تصنع مستقبلًا، والهيمنة لا تبني استقرارًا، وما يُبنى على الخوف يظل هشًّا مهما بدا صلبًا.
وفي النهاية، يبقى الأمل معقودًا على أن يدرك العالم، قبل فوات الأوان، أن كلفة السلام أقل بكثير من كلفة الحرب، وأن الشعوب التي أنهكتها الصراعات تستحق أن ترى فجرًا مختلفًا، لا تُسمع فيه صفارات الإنذار، بل أصوات الحياة وهي تعود إلى مسارها الطبيعي.
فهل تضع الحرب أوزارها حقًا، أم أننا ما زلنا في أول الطريق؟
ذلك سؤالٌ مفتوح على المستقبل…
لكن الأكيد أن التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، وأن الشعوب التي دفعت أثمان الحروب هي الأجدر بأن تنعم بسلامٍ عادلٍ يحفظ الكرامة ويصون الأوطان.